حزام أمن السيارة

في شتاء سنة 1958، كانت الثلوج تغطي شوارع مدينة صغيرة في شمال السويد، بينما كان المهندس العجوز ينظر بصمت من نافذة مكتبه المطلّ على ساحة اختبار السيارات. خارج النافذة، انطلقت سيارة “فولفو أمازون” زرقاء بسرعة، ثم توقفت فجأة بعد محاكاة حادث تصادم. في الداخل، بقيت الدمية في مقعد السائق ثابتة… بلا خدش.
ابتسم المهندس، وأغلق دفتر ملاحظاته الجلدي بإحكام. لقد بدأ كل شيء قبل سنوات، ليس في مصنع سيارات… بل في السماء.
في شبابه، وتحديدًا خلال سنة 1952، كان يعمل ضمن فريق سري في شركة الطيران العسكرية السويدية SAAB، مكلفًا بتصميم مقاعد الطيارين في الطائرات الحربية. في إحدى التجارب، شاهد طيارًا يُقذف من مقعده خلال مناورة عنيفة رغم ارتدائه للحزام. كان الحزام يلف الخصر فقط، وترك الجزء العلوي من الجسم بلا حماية. كان ذلك المشهد كافيًا ليوقظ داخله سؤالًا لا يفارقه:
“لماذا نحمي النصف… ونترك الباقي يواجه الموت؟”
مرت السنوات، وتغيرت مهنته، لكن السؤال بقي حيًا. وحين عرضت عليه شركة “فولفو” وظيفة جديدة لتحسين أنظمة الأمان في السيارات، وافق على الفور، وكأن القدر يعيده إلى تلك اللحظة القديمة. كان يعلم أن السر يكمن في شيء بسيط… حزام، لكنه مختلف.
في سنة 1958، بدأ تجاربه في ورشته الصغيرة. ربط دمى، وأعاد تمثيل التصادمات، ورسم على الجدران عشرات الخطوط والنقاط. ليالٍ طويلة قضاها وهو يحلل منحنيات القوة على أجساد بشرية، يبحث عن الطريقة المثالية لتوزيع الصدمة.
ثم، في أحد الصباحات الباردة، نزل إلى الورشة ووضع يده على تصميم بسيط:
حزام ثلاثي النقاط، يمتد من الكتف إلى الحوض، يثبت بثلاث نقاط، ويُغلق بسهولة بيد واحدة.
اختبره بنفسه، ثم ركب مع السائقين في اختبارات تصادم حقيقية. لم يكن يخاف، بل كان مقتنعًا بأن فكرته ستصمد… وكانت كذلك.
وفي سنة 1959، طرحت شركة فولفو هذا الحزام لأول مرة في سياراتها الجديدة كنظام أمان أساسي، بدءًا من طراز “فولفو أمازون” و”بي في 544”.
لكن الحدث الأكبر لم يكن في التصميم… بل في القرار الذي تلاه: الشركة قررت التخلي عن براءة الاختراع، وجعل التصميم متاحًا لجميع شركات السيارات بالمجان، إيمانًا بأن إنقاذ الأرواح أهم من الأرباح.
وفي العقود التالية، أنقذ هذا الاختراع أكثر من مليون شخص حول العالم، وأصبح الحزام ثلاثي النقاط هو المعيار الذهبي في كل سيارة حديثة.
أما اسم ذلك المهندس، الذي جلس بصمت أمام نافذته في شتاء 1958، فهو:
نيلز بولين (Nils Bohlin).
الذي وُلد سنة 1920 وتوفي سنة 2002. الرجل الذي آمن أن البساطة قد تنقذ العالم… وربما أنقذ بالفعل جزءًا منه.
هل تخيلتم يومًا أن اختراعًا لا يتجاوز عرضه بضعة سنتيمترات… يمكن أن يكون الفاصل بين الحياة والموت !

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك