إحدى الدول القليلة ذات السيادة الحقيقية.

زياد الزبيدي

تحت هذا العنوان نشر الكاتب الصحفي الروسي المعروف بيتر أكوبوف، مقالا في وكالة “ريا نوفوستي” بتاريخ 17 يونيو 2025، يتضمن تحليلًا نقديًا لظروف الجمهورية الإسلامَية الراهنة مع ربط ذلك بالسياق الجيوسياسي والإعلامي المحيط بالموضوع.

وفيه يتطرق بالتفصيل إلى جدلية الدولة الإيرانية بين السردية الغربية ومقومات البقاء، ويركز في تحليله على الهجوم الإسرائيلي وتوقعات إنهيار الدولة الإيرانية.

وفي البداية، لا بد من التنويه أن مضمون مقال الكاتب الروسي بيوتر أكوبوف، يعالج من زاوية مغايرة التقييمات السائدة حول إستقرار النظام الإيراني في ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي المتصاعد. ويطرح الكاتب رؤيته حول تماسك الجمهورية الإسلامية رغم الضغوط الهائلة الداخلية والخارجية، ويردّ على تشبيهاتها المتكررة بالإتحاد السوفياتي قبيل إنهياره. ويناقش هذه الأطروحات ضمن إطار جيوسياسي وتحليلي أوسع.

أولًا: نقد التشبيه المتكرر بين إيران والإتحاد السوفياتي المتأخر

يتوقف المقال عند التشبيه الرائج بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والإتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة. يذكر الكاتب: «إيران — هذا عملاق على أقدام من طين، وسرعان ما ستنهار سلطة الملالي تحت ضربات إسرائيل… فالجمهورية الإسلامية تشبه الإتحاد السوفياتي المتأخر — إزدواجية في التفكير، مظاهر زائفة، كراهية للنخبة الإدارية، فساد، وخلف الواجهة الجميلة يختبئ جوهر متعفن لمجتمع خاب أمله في الحكم الإسلامي.»

لكن أكوبوف يعارض هذا الطرح، مشيرًا إلى أن إيران ليست مجرد نظام مغلق أو بيروقراطي متصلب، بل نظام يتمتع بمرونة سياسية وإجتماعية إستثنائية، وذو بنية هجينة تجمع بين القيادة الدينية والديمقراطية الإنتخابية والإقتصاد الحر، مضيفًا: «فما الذي ينتظر إيران؟. أولًا — إيران لا تشبه الإتحاد السوفياتي في عهد بريجنيف، ولا كوريا الشمالية، ولا روسيا المعاصرة. إنها نوع مختلف تمامًا من نظم الدولة والمجتمع — مشروع فريد من نوعه في عصرنا.»

هذا الطرح يلفت النظر إلى أهمية الخصوصية الإيرانية وعدم الوقوع في فخ المقارنات الإختزالية.


ثانيًا: سيادة حقيقية أم ضعف داخلي؟

أكوبوف يدافع عن فكرة أن إيران واحدة من الدول القليلة ذات السيادة الحقيقية، مشيرًا إلى: «إيران — واحدة من الدول القليلة ذات السيادة الحقيقية، بنخبة مستقلة ذات تفكير ذاتي. وهي، بالطبع، وريثة واحدة من أقدم وأعرق الحضارات العالمية.»

ويذهب إلى أن هذا لا يعني أن إيران لا تعاني من مشاكل داخلية، بل يؤكد: «هل يعني كل ذلك أن إيران قوية كالصخر؟ بالطبع لا. لا توجد تقريبًا دول من هذا النوع في العالم المعاصر. فجميعها لديها مشكلات داخلية بدرجات متفاوتة.»

هذا التوازن في الطرح مهم لفهم أن السيادة لا تعني الكمال أو غياب الأزمات، بل القدرة على الإستمرار والتكيف ضمن بيئة عدائية ومتشابكة.


ثالثًا: الدعاية الغربية والهجوم الإسرائيلي – هل تُثبت إنهيار النظام؟

يرد الكاتب على التحليلات التي ترى في نجاح إسرائيل في تنفيذ ضربات دقيقة ومؤثرة داخل العمق الإيراني دليلًا على قرب سقوط النظام، فيقول: «في هذه التأملات يوجد تحريف كبير: إذا كان هناك خونة في إيران، فهذا يعني أن الشعب يكره النظام، وأن السلطة محكوم عليها بالسقوط.»

ويضيف أن وجود جواسيس أو معارضة لا يعني بالضرورة تفكك الدولة، مشددًا على أن إيران دولة كبيرة ومعقدة، وليست كيانًا هشًا: «إنها دولة ضخمة تضم 80 مليون نسمة، وليست كيانًا صغيرًا يضم 10 ملايين كإسرائيل، الدولة المعسكرة والبوليسية.»

هذا الطرح يتحدى السردية التي تتبناها إسرائيل وبعض الدوائر الغربية والتي تقوم على أن الضربات النوعية كفيلة بإسقاط النظام من الداخل.


رابعًا: مسألة “الوكلاء” والإتهام بالعدوانية

يرد الكاتب على إتهام إيران بأنها راعية للإرهاب أو تشن حروبًا بالوكالة، من خلال تفنيد خلفيات العلاقات الإيرانية مع كل من “حزب الله” و”الحشد الشعبي” و”الحوثيين”، مشيرًا إلى أن: «إيران تدعم جميع المسلمين الذين يقاومون إسرائيل، بمن فيهم الفلسطينيون السنة.»

ويرى أن الدور الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن جاء كرد فعل على الفراغ الذي أحدثته التدخلات الأمريكية، وليس كعدوان إستباقي: «من الذي إحتل العراق ودمّره فعليًا؟ أليس الأمريكيون هم من خلقوا الظروف التي دفعت الشيعة العراقيين إلى التوجه نحو إخوانهم في إيران؟»

وفي هذا السياق، يعيد الكاتب تعريف “الوكلاء” بإعتبارهم قوى محلية ذات إرادة مستقلة، تتلقى دعمًا إيرانيًا لكنها لا تتحرك بأوامر مباشرة من طهران.


خامسًا: البرنامج النووي – نوايا إيران ومبالغات إسرائيل

يرى أكوبوف أن التهويل بشأن السلاح النووي الإيراني هو أداة إسرائيلية قديمة: «لقد أخافت إسرائيل العالم منذ أربعين عامًا من أن إيران على وشك صنع القنبلة النووية، ولو أرادت إيران إمتلاكها، لكانت قد إمتلكتها منذ زمن.»

ويذهب إلى أن عدم إمتلاك إيران للسلاح النووي ربما كان خطأً إستراتيجيًا: «ربما كان من الأفضل للجميع أن تمتلك إيران القنبلة. لأنه حينها ما كان ليحدث هجوم 13 يونيو.»

بهذا، يقدّم الكاتب قراءة صادمة في السياق التقليدي، حيث يحمّل المسؤولية الكاملة لنتنياهو والغرب في جرّ المنطقة نحو التصعيد النووي المحتمل، وليس لطهران.


سادسًا: هل تنهار إيران؟ أم تتجه إلى الردع النووي؟

يرى أكوبوف أن النظام الإيراني لن يسقط حتى تحت الضربات الأمريكية: «إيران لن تستسلم حتى تحت الضربات الأمريكية، رغم أنها ستنزف بشدة. وسقوط النظام الإسلامي غير مرجّح.»

لكنه يحذر من تحول إستراتيجي قادم: «ما هو مؤكد، هو أن إيران بعد الضربات الأمريكية ستفعل كل ما في وسعها للحصول على سلاح نووي — وحينها ستصبح نهاية العالم النووية في المنطقة مسألة وقت فقط — ولن تكون إيران هي المسؤولة عنها.»

يختم الكاتب مقاله بإشارة إلى إنقلاب الموقف الإيراني من رفض إمتلاك القنبلة إلى السعي لإمتلاكها كردّ على العدوان.

وفي الختام، لقد حاولنا تقديم قراءة معمقة لخطاب بيتر أكوبوف الذي يقوّض السردية السائدة عن هشاشة إيران وقرب إنهيارها، ويعيد تأطير الصراع في المنطقة على أنه نتاج العدوان الإسرائيلي والدعم الغربي غير المشروط، لا سياسات إيران التوسعية كما يصوّرها خصومها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك