امن و استراتيجيافي الواجهة

المواجهة بين أمريكا و إيران هل تتواصل ؟

الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025 شكّل لحظة فارقة، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا واستراتيجيًا على مستوى الإقليم والعالم. تكلفة الضربة التي قدّرت بحوالي 546 مليون دولار من حيث الذخائر والتشغيل والدعم اللوجستي، لا تمثل سوى جزء ضئيل من الكلفة الحقيقية التي بدأت تتضح مع توالي الردود الإيرانية، وارتفاع حدة التوتر في المنطقة، وما يصاحبها من اضطرابات في سوق النفط واحتمالات توسع رقعة الاشتباك. هذه الأعباء، وإن بدت قابلة للتحمل في المدى القصير، فإنها في حال تحول النزاع إلى حرب استنزاف، ستثقل كاهل الخزينة الأميركية، وتثير غضب الداخل الأميركي المتذمر أصلًا من تدهور الخدمات العامة وتفاقم الديون.

المفارقة أن هذه المغامرة العسكرية قد تصب في مصلحة خصوم ترامب داخليًا، خصوصًا إذا تحوّلت إلى ملف مفتوح بلا حسم واضح. فكل يوم إضافي من التوتر، وكل دولار يُنفق على المواجهة، يُعيد طرح السؤال أمام المواطن الأميركي: لماذا نواصل الانخراط في صراعات لا نكسب منها شيئًا؟ ولماذا تدفع واشنطن فواتير المعارك الإسرائيلية؟ هذا النوع من الأسئلة قد يتحول سريعًا إلى حالة غضب سياسي واسعة إذا استمرت الأزمة أو اتسع نطاقها.

أما على الجانب الإيراني، فالواضح أن القيادة تسير في اتجاه مزدوج: امتصاص الضربة واستثمارها داخليًا كدليل على “العدوان الغربي”، مع تسريع وتيرة البرنامج النووي بشكل أكثر سرية، وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة لجني مكاسب سياسية، خصوصًا في ظل دعم صيني روسي رافض للفوضى الإقليمية. وكلما طال أمد التصعيد، زادت قدرة طهران على التحرك ضمن مساحة رمادية تربك خصومها، وتحافظ بها على شكل من أشكال الردع.

في النهاية، لن تتوقف الحسابات على من أطلق الصاروخ أولًا أو من امتلك اليد العليا عسكريًا، بل على من ينجح في إدارة ما بعد الضربة سياسيًا واقتصاديًا. أميركا قد تكون وجهت ضربة قوية، لكن ما بعدها سيكون أكثر تعقيدًا، وربما أكثر كلفة مما تتصور إدارة ترامب اليوم.

د. محمد ابراهيم بسيوني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى