ترامب.. بائع السلام الذي يشعل الحروب
ضيا اسكندر
عندما عاد دونالد ترامب إلى واجهة السلطة عام 2025، حمل معه حقيبة ممتلئة بالوعود الوردية: “سأنهي الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة”، “سأوقف النار في غزة قبل أن تصلني مفاتيح المكتب البيضاوي”.
بدا وكأنه قادم من كوكب السلام، لا من صلب السياسة الأمريكية، لكن سرعان ما تبيّن أن تلك التصريحات لم تكن سوى واجهة دعائية لصفقات أكثر ظلمة.
ففي اللحظة التي رُوّج فيها لوقف إطلاق نار “تاريخي” بين إسرائيل وحماس – بجهود مبعوثه ستيف ويتكوف – كانت الطائرات الإسرائيلية تستعد لجولة جديدة من القصف، وترامب لا يكتفي بالصمت، بل يهدد غزة علناً: “سنفتح أبواب الجحيم”.
وهكذا تبخّرت “هدنة السلام” كما تبخّرت وعوده بإخماد النار في أوكرانيا.
ثم أطلق ترامب قنبلته السياسية المسماة “ريفييرا الشرق الأوسط”، وهي خطة تهجير مقنّعة تهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني في غزة، عبر ترحيل سكانها إلى مصر والأردن، مقابل وعود بتعويضات سكنية وحياة “أفضل”، بحسب تعبيره الصريح: “لن يكون لهم حق العودة، لأنهم سيحصلون على منازل أجمل”. لم يكن يرى في القضية سوى أزمة عقارات يمكن حلّها عبر تسويات عقارية، لا مأساة شعب تُنتهك حقوقه.
أما الغاية الحقيقية، فكانت تحويل غزة إلى منتجع استثماري أمريكي-إسرائيلي، يُقام على أنقاض الأرواح والمنازل المحطّمة.
وفي الوقت الذي كانت فيه طهران لا تزال على طاولة المفاوضات النووية، وتتنفّس المنطقة بصعوبة أملاً بخيط دبلوماسي أخير، اختارت “إسرائيل” أن تفجّر المشهد، فشنّت هجوماً مباغتاً على إيران، استهدفت فيه منشآت نووية واغتالت قيادات عسكرية وأمنية وعلمية بارزة. وبينما كانت المنطقة تترنّح على حافة الانفجار، قررت إدارة ترامب أن تسكب الوقود على النار، معلنة انحيازها السافر لإسرائيل، ومُوفرة الغطاء الكامل – دبلوماسياً وتقنياً وسيبرانياً – لحرب استباقية مدمّرة لا تختلف عن إعلان عدوان رسمي صريح، ومدمّر.
كانت رسالة ترامب للعالم واضحة حدّ الوقاحة: “نفاوض فقط من يخدم مصالحنا… والبقية فليحترقوا”.
والأنكى من كل ذلك؟ تواطؤ النظام العربي الرسمي. ففي وقت كانت فيه شعوب المنطقة تُصارع الفقر، وتغرق في مستنقع الديون والتقشف، فتحت العواصم العربية خزائنها أمام ترامب، تقدّم له الطاعة والذهب معاً.
ثلاث دول منحت إدارته، في جولته الأخيرة، فقط، أكثر من 5 تريليونات دولار — لا مقابل تنمية، ولا دعم لقضايا العرب، بل فقط لحماية عروشهم.
وفي اليمن ولبنان، لم يكن الوضع أفضل. لا وساطات، لا تهدئة، لا مساعٍ لاحتواء الانفجار. ما كان يعني ترامب ليس الدماء التي تسيل، بل كمّ السلاح الذي يُباع، وصفقات الحماية التي تُبرم، ومليارات الدولارات التي تُضَخّ في شرايين مجمعه الصناعي-الحربي.
لم يكن رئيساً يسعى للسلام، بل سمسار حروبٍ محترف، يدير النزاعات كما تُدار المزادات: من يدفع أكثر… يكسب أكثر.
أنصاره يلوّحون بـ “الدولة العميقة” كعدو يُعطّل رؤيته، لكن الأدلة تشير إلى العكس؛ ترامب لم يكن ضحية هذه المؤسسة، بل خادماً مطيعاً لها، يسوّق الحرب كفرصة، ويغلفها بعبارة: “السلام قادم.. على طريقتي”.
إن ما فعله ترامب لم يكن مفاجئاً، فكل رئيس أمريكي يدخل الانتخابات ويده على الإنجيل، لكنه لا يتردد لحظة في وضع يده الأخرى على الزناد، إن اقتضت مصالح إسرائيل أو صفقات البنتاغون ذلك.
وختاماً، يبقى السؤال الذي لا يحتاج جواباً: هل كان ترامب صادقاً في سعيه للسلام، أم أن الحروب كانت هي المسرح الذي بنى عليه صورته، والدماء التي روّج بها بضاعته؟
الوقائع تقول كل شيء، فقد باع لجمهوره وهم “السلام المجاني”، بينما دفع الأبرياء الثمن، جثثاً وركاماً، في مزاد سياسي قذر عنوانه: ترامب… بائع السلام الذي يشعل الحروب.



إرسال التعليق