المقاومة الإيرانية: دروس للمستقبل القريب

نور الدين الراسي

المقاومة الإيرانية: دروس للمستقبل القريب
مهما حاولتَ أن تنأى بمشروعك ودولتك عن المواجهات والصراعات، فإن الكثيرَ يُفرَض عليك بشكل مباشر أحيانًا، وبأشكال غير مباشرة في أحيان أخرى… وتبقى حينئذ ترقص فوق رؤوس الأفاعي التي تتربص بك، وتسعى لتقويضك والقضاء عليك طالما كان لك مشروعٌ مختلف.
والحركة الإسلامية في إيران منذ استلامها السلطة في نهاية السبعينيات عبر ثورةٍ شعبية، تم التعامل معها على أنها “سرطان” يجب استئصاله. كانت هناك محاولات متكررة ومتواصلة دون توقف منذ اليوم الأول. لقد كان انتصار الثورة الإسلامية في تلك الأجواء – أواخر السبعينيات – وسقوط شاه إيران وجنرالاته بمثابة الضربة القاضية لحليفٍ استراتيجي في حزام الصدّ ضد المد الشيوعي الذي شكَّله الغرب. وكانت إيران الدولةَ الرئيسية في منطقتنا، فقد اعترفت بالكيان الغاصب (إسرائيل) منذ اليوم الأول وانشقت مع تركيا عن الاجماع العربي والاسلامي.
وقد تم الإطاحة بأول رئيس وزراء استقلالي في ايران، محمد مصدق، عام 1953 بعد أن هرب الشاه من إيران إلى إيطاليا بسبب احتدام الخلاف معه. وقام ضباط الجيش بالإطاحة بأول حكومة إيرانية تسعى إلى جعل ثروات الإيرانيين – وخاصة النفط – في خدمة إيران، وليس في تبعية ذليلة للغرب وذلك عندما قرر مصدق تأميم النفط، أُطيح به بتدبير مباشر من المخابرات الأمريكية، وتنفيذ القادة العسكريين بعد أن تلقوا رشاوى وخطة عمل. وقد نشر “كيرميت روزفلت” كتابًا عن ذلك الانقلاب، كما كشفت الخارجية الأمريكية تفاصيله عام 2017.
كانت كل من تركيا وإيران ذراعًا طويلًا وجزءًا من الامتداد الغربي في منطقتنا، ولعبت المؤسسة العسكرية في البلدين دورًا أساسيًا في ترسيخ هذه التبعية والوظيفة لصالح القوى الاستعمارية الجديدة.
أما سقوط الشاه رضا بهلوي على يد الحركة الإسلامية بقيادة الخميني في إيران، فقد جعل الغرب وخاصة الولايات المتحدة تفقد حليفا موثوقا غي المنطقة وخاصة إسرائيل، حيث تم الاستيلاء على السفارة الإسرائيلية ومستنداتها، مما اعتُبر كنزًا استراتيجيًا لتفكيك شبكات التجسس. وسلَّم إسلاميو إيران مقر السفارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية في مشهدٍ لم يكن أحد ليتصوره قبل ذلك ببضعة أشهر وكان خسارة استراتيجية للصهاينة.
ومنذ اليوم الأول، دخلت إيران في حرب استنزاف طويلة استمرت عقدًا كاملًا تقريبًا مع العراق، وخسر البلدان مليارات الدولارات وملايين الشهداء، والاخطر تدمير كل عوامل الثقة وكيفية اعادة بنائها. وكان سبب الحرب تصريحات منفلتة من قيادات إيرانية جديدة حول الحدود المشتركة بين البلدين – وللأسف كانت مجرد بضعة كيلومترات – حيث أكد بعضها عدم اعتراف القيادة الجديدة باتفاق الجزائر لترسيم الحدود. مما دفع صدام حسين رسميا إلى إعلان إلغاء الاتفاق بشكل منفردٍ. اتفاق الجزائر تم توقيعه بوساطة الدبلوماسية الجزائرية ورعاية الرئيس هواري بومدين – رحمه الله – في 6 مارس 1975، وهي جهود حديثة لتحقيق السلام بين البلدين ونزع فتيل الحرب بين الجارين المسلمين. لكن للأسف، ألغى صدام حسين الاتفاق عام 1980، مما أشعل فتيل الحرب العراقية-الإيرانية (أو حرب الخليج الأولى).
وكان النزاع كله يدور حول بضعة كيلومترات على المنفذ البحري للعراق، وكان من الممكن تسويته بمائة طريقة عبر العمل المشترك والاستجابة لتخوفات كل طرف بدل الدخول في حرب و. لكنها أصبحت ذريعةً لاندلاع حرب الاستنزاف، حيث توقع صدام أن النظام الجديد ضعيف وسيرضخ للأمر الواقع، ويمكن فرض معادلة جديدة توسع المنفذ البحري العراقي. فأقدم على إلغاء اتفاق الجزائر منفردًا دون محاولة التفاوض أو فتح المجال للوساطات.
اصبحت الحرب واقعا مفروضا فلم تُمهَل القيادة الجديدة في إيران أيَّ مهلة لالتقاط أنفاسها، فُرضت عليها حرب استنزافٍ ظالمة جعلت الشعوبَ كلَّها تتأسف لنزيف قدرات البلدين. ورغم الوساطات المتكررة، إلا أنه كان يتم ضخ ملايين الدولارات لإطالة أمد الحرب وتغذية الاستنزاف من قوى مختلفة.
كانت تلك الحرب هي السُّم الذي غُرِس في جسد العلاقة بين الإيرانيين بقيادتهم الإسلامية الجديدة والعالم العربي. كانوا يأملون أن يجدوا الحاضنة والدعم والمؤازرة في الامتداد العربي والإسلامي، خاصة أنهم أعادوا إيران إلى فَضائها الطبيعي. وحسب السردية الشيعية، أصبحت إيران تحكم من قِبَل المراجع الدينية وكثير منهم “آل البيت” المنتسبين إلى البيت النبوي . لكن للأسف، اشتغلت آلات التخلف، وفُتِحَت ملفات التاريخ، وتحوَّل الصراع من نزاعٍ حدودي بين بلدين جارين إلى صراعٍ طائفي (سُنّة وشيعة) بحمولة دينية، وإلى صراعٍ قومي (عرب وفرس) بحمولة شعوبية جاهلية.
هكذا أُجبِرَت التجربة الإسلامية في إيران على التَّعَسْكُر منذ يومها الأول، وانحرفت الثورة عن مسار بناء الدولة على أسس جديدة إلى مسار عسكرة المجتمع والتجربة. وتطورت التجربة الحركية الإسلامية في الحكم لتبني مؤسساتها على أسس عسكرية، حيث أن نصف الأفلام المنتجة في بدايات الثورة كانت تدور حول الشهداء والحرب العراقية-الإيرانية، واستقطاب الشباب إلى المعسكرات والمجهود الحربي.
نَفور الدول العربية من ايران وخوفها من تجربتها الاسلامية وتضامنها غير المشروط مع صدام حسين – وكثير منها كان يخاف من سطوته وتهوُّره، خاصة دول الخليج والمملكة العربية السعودية – فرض عزلةً على إيران. وبعيداً عن الخليج، عندما قامت الثورة كان السادات قد دخل في مسار التطبيع مع الصهاينة، فقاطعته الدول العربية، فتبنَّت إيران الموقف نفسه وقاطعت مصر. وعندما اغتيل السادات، سُمِّيَ شارع في طهران باسم قاتله (خالد الإسلامبولي).
أصبح الواقع الإيراني واقعاً عسكرياً في جوانب متعددة: على مستوى الخطاب، وبناء الشرعية، والتمدد في المحيط، وبناء القدرات الذاتية. أُعطيت الأولوية للعسكرة على حساب أولويات أخرى، وترسخ في ذهن القيادة أن امتلاك القوة والاعتماد على الذات هو الضمانة الوحيدة للاستمرار في مواجهة هذا الواقع الدولي المعادي.
في العالم العربي، لم تبق سوى الجزائر التي حافظت على بعض العلاقات، وساهمت في فك الحصار عن إيران بعد أزمة الرهائن الأمريكيين، حيث لعبت دور الوسيط بين طهران وواشنطن. وكانت الجزائر تدرك خطورة استمرار القطيعة بين قوتين إسلاميتين (العراق وإيران)، فحاولت مراراً الوساطة لحفظ قدرات الأمة. وفي سعيها لتوقيف الحرب فقدت أحد خيرة أبنائها، وزير خارجيتها الشهيد محمد الصديق بن يحيى رحمه الله، الذي سقطت طائرته على الحدود العراقية-التركية عام 1982 أثناء مهمة وساطة بين بغداد وطهران. وكانت اصابع الاتهام وجهت لاسرائيل.
منذ ذلك الحين، وإيران تتعرض للضغوط للإطاحة بحكومتها بسبب سياستها المستقلة. فاضطرت إلى المناورة في كل الاتجاهات لحماية مشروعها، مع التركيز على بناء القدرات الدفاعية، وتوسيع النفوذ، واستغلال الرصيد المعنوي لدى الشيعة لإنشاء حزام أمني. فكانت تجربة بناء وتاسيس حزب الله في لبنان، ودعم المعارضة الشيعية في العراق، بل امتد الامر الى بناء جيب شيعي ضمن النسيج الزيدي في اليمن. بل امتد الأمر إلى محاولة صناعة “جيوب شيعية” عبر ما يسمى بـ”المستبصرين” (المتحولين من السنة إلى الشيعة) من إندونيسيا إلى المغرب، وحتى في الاراضي المحتلة عبر حركة الجهاد.
لكن ما يهمنا في هذا السياق هو إصرار إيران الملفت على بناء قدرات ردعية متطورة، حيث بلغت في هذا المجال مرتبة متقدمة مقارنة بمعظم الدول. والمعركة مع اسرائيل بدات منذ سنوات طويلة وعلى مدار السنوات الماضية قامت إسرائيل باغتيال عشرات الشخصيات العلمية الإيرانية في المجالات النووية والعسكرية الاستراتيجية لضمان التفوق الاحادي، وقد تجاوزت قائمة الضحايا مؤخراً عشر شخصيات علمية بارزة في المشروع الردعي الإيراني.
لقد حققت إيران تقدماً ملحوظاً في بناء قدراتها الردعية والدفاعية، حيث وصلت إلى مستوى متقدم من حيث التصنيع والإدارة مقارنة بالعديد من الدول. وتستند هذه القدرات إلى قاعدة علمية رصينة واهتمام مبالغ فيها بمجالات التكنولوجيا الدقيقة خاصة في المجالات العسكرية، وتُظهر بيانات EduRank (2025) غزارة في الانتاج البحثي التكنولوجي رغم الحصار والحرمان من المشاركة في التجمعات العلمية ومحاصرة الطلاب وحتى اغتيالهم وبحسب بعض البيانات تشير إلى حصول الجامعات الإيرانية الرائدة مجتمعةً على 21.9 مليون استشهاد بحثي من 1.44 مليون منشور علمي، مما يعكس تأثيراً بحثياً كبيراً.
إن الحرب التي تُخوضها إيران اليوم تُظهر صلابةً واستبسالاً في الدفاع عن حقها في الوجود، رغم الأسى الذي ينتابنا بسبب الاختراقات الأمنية المتكررة التي أدت إلى اغتيال العديد من قياداتها العسكرية والعلمية. هذه الحالة توحي بأن ملف الأمن القومي الإيراني ما زال صفحة مفتوحة أمام الأعداء. بل إن هناك مؤشرات على وجود “نواة مجهولة” سهلت عمليات الاختراق وتحديد مواقع القيادات، وهي قد تكون على أهبة الاستعداد لاستلام السلطة بالتنسيق مع جهات خارجية وهذا هو الخطر الحقيقي.
من الواضح أن إيران حاولت تأخير هذه اللحظة الحرجة حتى تصل إلى المستوى الأمثل من القدرات الدفاعية، ولكن يبدو أن المواجهة أصبحت حتمية لا يمكن تأجيلها.
لقد أبلت إيران بلاءً حسناً في هذا الاختبار، ولكن من الجلي أيضاً أن تحالفاً دولياً بدأ يتشكل لبناء جدار غربي تقليدي، مستعداً للتدخل إذا ما تجاوزت إيران الحدود المرسومة لها.
إن الدرس الإيراني الذي أمامنا اليوم يؤكد أن أي محاولة للاستقلال في صنع القرار ستواجه مقاومة شرسة وعمليات احباط وتخذيل. لذلك أصبح بناء القدرات الردعية ضرورة حتمية، وقد يتطلب ذلك استثمارات إضافية لحماية أنفسنا. لكن الحل لا يكمن في طرق أبواب القوى الصناعية الكبرى لشراء الأسلحة، بل في بناء قاعدة علمية متينة وتوطين الصناعات الدفاعية الحيوية وتوسيع القاعدة العلمية والاهتمام بالتخصصات الحيوية. والأهم من ذلك كله، تحصين الجبهة الداخلية وحمايتها من الاختراقات الأمنية المميتة التي تجعل كل هذه الجهود في مهب الريح.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك