في الواجهة

بوتين يحرك قطع الشرق الأوسط ببراعة

زياد الزبيدي

اعداد وتعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

ماكسيم غورباتشوف
مراسل وكاتب صحفي
وكالة أنباء URA.RU الفيدرالية

قامت روسيا والولايات المتحدة بإعادة تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط. أعلن الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال المحادثات في الكرملين يوم 28 مايو عن نيتهما إستعادة التعاون الكامل. كما أوضح خبراء URA.RU، تزامنت هذه الزيارة مع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عن سوريا، حيث يريد الغرب طرد روسيا، لكن موسكو لديها العديد من المفاجآت في المنطقة.

منذ عام 2014، تشهد اليمن حربًا أهلية بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين – مسلحي حركة “أنصار الله” الدينية السياسية التي تسيطر على الجزء الشمالي من البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء. إنتقلت الحكومة إلى الجنوب في مدينة عدن. خلال الفترة الإنتقالية، يدير الدولة المجلس الرئاسي القيادي، الذي سلّمه الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي (2012-2022) في أبريل 2022، والذي إلتقى بوتين به في عام 2013.

فلاديمير بوتين: روسيا واليمن يتعاونان منذ قرابة 100 عام
بعد 12 عامًا، زار زعيم يمني جديد الكرملين. في بداية المحادثات، هنأ بوتين العليمي بذكرى الوحدة اليمنية الـ35 (22 مايو 1990 – تاريخ توحيد شمال وجنوب اليمن في دولة واحدة). وأشار الرئيس إلى أن العلاقات بين البلدين كانت دائمًا ودية، وأن اليمن وروسيا يتعاونان بنشاط منذ قرابة 100 عام. وأضاف الزعيم الروسي: “بفضل خبرائنا، تم إنشاء العديد من المنشآت الصناعية والبنية التحتية في اليمن، بما في ذلك ميناء المياه العميقة الذي لا يزال يعمل بشكل جيد حتى الآن”.

وأشار بوتين إلى أن العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا واليمن تتطور بنجاح، وهناك مجالات واعدة، لا سيما في إستخراج المعادن. وذكر أن حجم التبادل التجاري يبلغ حاليًا حوالي 400 مليون دولار.

عشرات القادة العرب سيجتمعون في موسكو في أكتوبر
كما دعا الرئيس العليمي إلى قمة “روسيا والعالم العربي” التي ستقام في موسكو في أكتوبر. وأشار بوتين إلى أن معظم الدول العربية الصديقة لروسيا وافقت بالفعل على المشاركة في الحدث.

من جانبه، شكر العليمي روسيا على دعمها للحكومة الشرعية في اليمن. وقال: “بعد الإنقلاب الذي قام به الحوثيون بدعم من إيران، كان موقف روسيا في مجلس الأمن الدولي وفي المحافل الدولية دائمًا لصالح الشرعية ولصالح تنمية ورفاهية اليمن”.

اليمن يشكر الإتحاد السوفياتي وروسيا على المساعدة
ذكر العليمي أن الاتحاد السوفيتي كان أول من إعترف بالجمهورية اليمنية، وقدّم الكثير للبلاد. وقال الزعيم اليمني: “نحن مصممون على أن تستمر روسيا في التعاون معنا بهذا النهج. نريد أن تساعدنا روسيا في إعادة السلام والإستقرار والأمن”.

ثم إستمرت المحادثات خلف أبواب مغلقة طوال ثلاث ساعات، وهو أمر مفهوم، إذ كان لدى الزعماء الكثير لمناقشته.

حركة متواصلة وتشابك مصالح في الشرق الأوسط
أوضح مقربون من URA.RU أن المنطقة تشهد حاليًا مرحلة نشطة جديدة من إعادة التوازن. وفقًا لهم، هناك ثلاث دول (تركيا وإيران والسعودية) تطمح إلى أن تكون ليس فقط قائدة إقليمية، بل أيضًا قائدة للمسلمين في العالم. في الوقت نفسه، لكل من هذه الدول تأثير كبير من قبل لاعبين عالميين (روسيا والولايات المتحدة والصين وأوروبا).

في اليمن، تتداخل مصالح إيران والسعودية وروسيا والولايات المتحدة
في اليمن، تتداخل مصالح إيران والسعودية. حيث تدعم طهران الحوثيين، بينما تدعم الرياض العليمي الذي زار موسكو، وفقًا للخبراء. في عام 2023، وقعت إيران والسعودية اتفاقًا لإستئناف العلاقات، مما فتح الطريق أمام تطبيع الوضع في اليمن، وهو ما تصر عليه موسكو بشدة.

على الرغم من مرور أكثر من 10 سنوات على آخر زيارة لزعيم يمني إلى روسيا، إلا أن البلدين حافظا على العلاقات على مستوى وزراء الخارجية، كما أشارت الخبيرة في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، يلينا سوبونينا. وأضافت أن رئيس الدبلوماسية اليمنية زار موسكو مؤخرًا.

“روسيا تقوم بأشياء فريدة في اليمن، حيث تتحدث مع جميع القوى السياسية: سواء مع قيادة الحوثيين أو مع ممثلي الحكومة اليمنية، رغم أن العلاقات بين هذه القوى ليست سهلة. يقدم اليمنيون لروسيا العديد من المشاريع الإقتصادية المثيرة للإهتمام، لكن عدم الإستقرار في البلاد لا يسمح دائمًا بتطويرها”، قالت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط.

وتابعت سوبونينا أن روسيا تعتبر أن الضربات الأمريكية على الحوثيين تسببت في الفوضى في اليمن. في مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف القصف والدخول في مفاوضات. “إذا كان هذا صحيحًا، فهذا يعني أن لروسيا دور في ذلك. موسكو كانت دائمًا تقنع الجميع بأن ضرب الحوثيين خطأ، ويجب إشراكهم في الحوار السياسي”، أضافت الخبيرة.

زيارة العليمي: خطوة روسية ذكية في الشرق الأوسط
إعتبر مدير مركز أبحاث “الشرق الأوسط – القوقاز”، ستانيسلاف تاراسوف، أن لقاء بوتين مع زعيم اليمن كان “خطوة مثيرة للإهتمام” لروسيا في الشرق الأوسط. في رأيه، نشطت موسكو في المنطقة بسبب نقص الإمكانيات لدى اللاعبين الخارجيين الآخرين، “لأن الموارد الأمريكية غير كافية”.

تزامنت زيارة العليمي مع رفع العقوبات الأوروبية رسميًا عن سوريا، حيث توجد الآن بؤرة الضغط الغربية على روسيا، كما يعتقد مدير مركز الدراسات الجيوبوليتيكية، دميتري روديونوف. “الإطاحة ببشار الأسد كانت خطة من إدارة جو بايدن. مواقف الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي متطابقة بشأن سوريا. رفع العقوبات هو محاولة من الغرب لطردنا من هناك، ولم يخفوا ذلك أبدًا. لكن حتى لو لم نكن هناك، كان الغرب سيفعل الشيء نفسه، لأن سوريا كانت وكيلًا لإيران، ومنفذها إلى البحر المتوسط. طهران هي العدو الرئيسي للغرب في الشرق الأوسط”، أوضح الخبير.

القواعد الروسية في سوريا “تزعج” الغرب
في رأي روديونوف، فإن القواعد الروسية في سوريا هي “مصدر إزعاج” للغرب، كما كان النفوذ الإيراني في هذه الدولة حتى وقت قريب. “تركيا هي أيضًا لاعب مهم هنا، حيث دعمت بالكامل السلطات السورية الحالية التي أطاحت بالأسد. ستكون القواعد موضوع مساومة، وهي في الواقع أداة ضغط من أنقرة. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن ترامب حاول إستخدام موضوع الشرق الأوسط في مفاوضات أوكرانيا. كان الهدف أن تقدم الولايات المتحدة تنازلات بشأن أوكرانيا، وروسيا بشأن إيران وسوريا. لقاء بوتين مع زعيم اليمن هو إشارة للغرب بأن لدينا موقفنا الخاص ولن نتنازل لهم”، قال روديونوف.

دول الشرق الأوسط لم تعد تتبع الولايات المتحدة في كل شيء
أشار روديونوف إلى أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط (السعودية وقطر والإمارات)، وهي الدول التي زارها ترامب أول مرة خارجيًا، أصبحت تنتهج سياسة أكثر إستقلالية، وتعتمد أولاً على مصالحها. وهذا يختلف عما كان عليه الحال قبل 10 سنوات، عندما كان النفوذ الأمريكي في المنطقة أكبر بكثير.

“السعودية تحاول ألا تضع كل بيضها في سلة واحدة، وتقيم علاقات مع روسيا والصين. لقد ضعفت قبضة الأمريكيين وقدرتهم على إستغلال الخلافات داخل المنطقة. ظهرت مراكز قوة جديدة أصبحت أقل إعتمادًا على الولايات المتحدة”، أكد روديونوف.

روسيا تسعى لإستقرار اليمن لحماية البحر الأحمر
يعتقد كبير الباحثين في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة MGIMO التابعة لوزارة الخارجية الروسية، يوري زينين، أن روسيا تسعى لتحقيق الاستقرار في اليمن لتأمين البحر الأحمر، الذي تمر عبره السفن المحملة بشتى البضائع، بما في ذلك النفط. عبر اليمن يمر طريق تجاري يربط بين أوروبا وآسيا، وهو أمر مهم لروسيا أيضًا.

“في العهد السوفيتي، تم إكتشاف حقول كبيرة للنفط والغاز في اليمن، وبدأ استغلالها. هناك آفاق واسعة في مجال إستغلال الثروات الطبيعية، لكن ذلك يتطلب الإستقرار والأمن قبل كل شيء. وفقًا لما قرأته في الصحافة اليمنية، فإنهم يتابعون دائمًا باهتمام ما يحدث في روسيا من أحداث. اليمنيون يراهنون على العلاقات مع موسكو”، خلص زينين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى