درس من دروس الحياة

———–

معمر فارح
———–
بعد غدٍ العيد…
وفي السيارة التي كانت تقلّ بلال وسليمة وأطفالهما الأربعة، لم تكن الحياة تمضي فحسب، بل كانت تغنّي. ضحكات الأطفال تتراقص في الخلف كصدى الطفولة الخالدة، وصوت لعبهم ترسم طريق فرح لا يعرف حدودا.
بين حقيبتين، في قفص صغير، كان زوج من الكناري يغرد؛ كأنما يشدو للرحلة بأغنية لا يفهمها إلا من يفتح قلبه للبساطة.
الوجهة: سوق أهراس، مدينة الزيتون والذاكرة، أكثر من ستمئة كيلومتر من العاصمة نحو الشرق، حيث الروائح تروي حكايات الجدات، والحجارة تحفظ آثار الزمن.
لكن الطريق، كالحياة، لا يُختصر في النوايا الطيبة ولا في الخرائط. أوقفهم نفق بوزقزة، ثم شلّهم ازدحام برج بوعريريج في صمت ثقيل. الطريق الوطني رقم 5 كان مفرًا، لكن الفجر، في هدوئه الأزلي، لم يكن يعلم أنه سيكون شاهداً على لحظة معلّقة بين الحياة والموت.
ثم حدث ما لم يُنتظر.
صوت الزجاج المتكسر، صراخ، ضوضاء الحديد وهو يلتف على نفسه، السيارة تنقلب كأنما الزمن انكسر. ثم… صمت.
صمت ثقيل لا يشبه إلا الصمت الذي يلي النهايات.
الغرباء… أولئك الغرباء الجميلون، كانوا أول من وصل. لم يسألوا عن الأسماء، ولا عن الأسباب. فقط هرعوا بقلوبهم. زجاجات ماء، سترات تُفرش على أجساد صغيرة، ألعاب تُجمع برفق من الإسفلت. الكلمة التي بدأت تنتشر بهدوء: معجزة. من يرى الحطام، لا يصدّق أن في داخله كانت هناك أرواح ما زالت تتنفس.
كان يمكن للحدث أن يُختزل في الحديد المهشّم، في الدمعة المرتبكة، في القلق. لكن الحزن الحقيقي كان يسكن قلب الطفل الأكبر، ليس بسبب السيارة، بل بسبب الكناري. الذكر قد فرّ، ولعلّه لم يدرِ أن قلبًا صغيرًا قد انكسر برحيله.
لكن بعد دقائق، امتدت يد من بين الحشود. داخل زجاجة كبيرة، الكناري. أحدهم قد لاحظ الحزن في عيني الصبي، فتسلق شجرة ليعيد إليه طائره الصغير. بالنسبة له، لم يكن الأمر أكثر من رد فعل تلقائي. لكن بالنسبة للطفل، كانت تلك اليد أكثر من معجزة: كانت ضوءًا في العتمة.
في الليلة الموالية، وفي منزل سوق أهراس، جمعت سليمة أبناءها حولها. لم تروِ لهم قصة الخوف، ولا الحادث، ولا الألم. بل همست إليهم كمن يزرع حكمة في قلوب صغيرة:

“السيارة يمكن إصلاحها أو استبدالها. لكن الإنسان، إن ضاع، لا يُسترجع. ما أريدكم أن تحفظوه من ذلك اليوم، ليس الصوت، ولا الزجاج، ولا الانقلاب. بل الأيادي. تلك الأيادي التي امتدت نحونا بلا سؤال، بلا مقابل.”
ثم أضافت، وعيناها تشعّان بنورٍ لا يُطفأ:
“كونوا مثلهم، يا أحبتي. طوال حياتكم. كونوا أنتم اليد الممدودة. إذا سقط أحد، فارفعوه. وإذا ضاع، فدلّوه. أحبّوا، بلا شرط، بلا حساب. كونوا امتدادًا لتلك الطيبة التي احتضنتنا في أضعف لحظاتنا.
عندما التقيت سليمة، لم ألتقِ ناجية من حادث. بل رأيت شاهدة على المعنى العميق للحياة. امرأة تحمل في عينيها سلامًا لا تُزعزعه التجارب. قالت لي، بهدوء الفلاسفة:
“كان يمكنني أن أكرر، أن أشتكي، أن أعلّق في دوامة الخوف. لكني اخترت أن أزرع في ذاكرة أطفالي شيئًا آخر: أن الخير موجود، وأن الناس، مهما قست الدنيا، لا يزال فيهم من يشبه النور.”
نعم…
في كل مأساة، هناك يد غير مرئية، تمتد.
في كل ظلام، نجمة صغيرة تُضيء إن عرفنا كيف نرفع أبصارنا.
و لرؤية تلك النجمة، نحتاج إلى أرواح تؤمن بالضوء.
وسليمة… كانت من هؤلاء.
✓✓ القصة حقيقية. وقعت فجر 4 جوان 2025. الأسماء استبدلت.

إرسال التعليق