عيد الأضحى 1446/2025 بديار الغربة بنفحات إيمانية روحانية وحنين شوق الوطن الحبيب من المسجد الكبير بستراسبورغ

ينبض الهواء يوم عيد الأضحى المبارك, بمشاعر نفحات إيمانية روحانية وأجواء نقية تكاد تكون ملموسة. تبدو منها الزينة المتنوعة والألوان المضيئة المتلألئة في سماء المدينة, وكأنها تنافس وتتحدى رتابة الحياة وثقل روتينها اليومي المرهق. تشرق منها الوجوه بأبتسامات مبهرة، تعكس فرحا مفعما إيمانًا راسخًا. تتقاسم منه النظرات، المليئة بالحنان، كما لو أن كل روح حاضرة تحمل في داخلها شعلة الحب الحقيقي و النور الإلهي. الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. المجد لك يا رب السماء والأرض، يا من صنعت هذه اللحظة من التواصل في ذكرى أبينا إبراهيم إبراهيم والذبيح إسماعيل. يا محنتهما بعيدًا عن كونها استسلامًا للأمر الألهي، لحظات تكشف عن نفسها على أنها التعبير الأسمى والحميم والصادق عن الحب. حب يسمو بالقلوب الصافية النقية، ويوحد النفوس المطئمة. في هذا اليوم العيد الأسمى المبارك، ترتفع النية الصادقة للجميع الذين ينادون بالعدالة. يا رب، يا سامع كل دعاء، نسألك أن ترزقنا عدلًا في هذا اليوم المبارك، يوم الشكر والامتنان.

تحرص الجالية المسلمة في العالم عموما لاسيما بفرنسا وبمنطقة الألزاس وستراسبورغ خصوصا، الحفاظ على طقوس الإحتفال بكل المناسبات الدينية والأعياد لإرتباطهم الشديد بها ولشوقهم وحنينهم للوطن الأم، وربط أواصر الصلة وتماسك العلاقات الإجتماعية والعائلية بين جموع المسلمين في المجتمعات الأوروبية، حيث يتميز عيد الفطر بستراسبورغ بمظاهر متعددة وإستعدادات إحتفالية متشابهة بين جميع المسلمين فرحا بقدومه وتحضيرا لإستقباله في جو مميز وفريد من نوعه عن باقي الأيام.

إذ تتواجد بمدينة ستراسبورغ نسبة كبيرة من المسلمين ومن المغتربين، منحدرة من جنسيات مختلفة منها المغاربية والمشرقية والإفريقية وغيرهم.

مداخلة :

يهل علينا هلال عيد الأضحى هذا العام 1446/2025، ككل سنة في أحسن حال والحمد لله بعد فضائل الأسلام المباركة العشرة من ذي الحجة وكافة العبادات، والحمد لله ها نحن اليوم نحتفل بعيد الأضحى في أحسن حال وصورة والحمد لله وهذا كله للمحافظة على عاداتنا وتقاليدنا ولنرفع راية الإسلام الطاهرة ونحافظ على سمعته .

سيدي مليح و زادوا الهواء و الريح ( الغربة و منع ذبح الأضحية )

مثل شعبي ردد على مسامعنا, فرغم البعد والغربة زادونا منع ذبح الأضحية وحتى حضور ذبها إن تم شرائها هما وحرمانا لا يوصف. وبقول السلف أن هدير الغربة مؤلم, ولكن يبقى الشوق إلى حنين الوطن بأنين جارح، فمن عذاب الفرقة القاتلة إلى آلام الوحدة القاسية المدمرة، يبقى القلب يتنفس الصعداء وينبض بخيوط الأمل والروح تتوق إلى إستنشاق ريحة الوطن ولمس تربته والتمتع بأرضه الطاهرة, ومناظره الخلابة وأشعة ألوانه الذهبية والعين تشتهي نظرة ولو من بعيد لبزوغ وغروب شمسه وألوانه الزاهية المترامية الأطراف هنا وهناك, فرغم الهواجس المعيقات والممنوعات، يبقى عيد الأضحى من أغلى المناسبات والشعائر الدينية التي ينتظرها المسلمين في ربوع بقاع العالم عموما، وأبناء الجاليات برمتها منها المغاربية خاصة بجميع دولها ليبيا- تونس- الجزائر- المغرب و موريطانيا وباقي الدول الإفريقية والإسلامية بالمهجر، فرغم الغربة إلا إنهم يتمسكون بإحياء جميع طقوس العادات والتقاليد في ديار الغربة بالمهجر من أجل تعويض الأجواء العائلية التي تعودوا عليها داخل أرض الوطن. إقتداء بالسلف لإحياء السنة الإبراهيمة, سنة أبينا إبراهيم عليه السلام من سمانا بالمسلمين وحبيبنا المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. لم تسمح هاته السنة الفرصة للكثير من أبناء الجاليات المغاربية لقضاء عيد الأضحى رفقة أفراد عائلاتهم، خاصة الذين لم يتمكنوا من الحصول على الإجازة والعطل.، وعدم تحمل قدرتهم المادية والمالية, إضافة إلى الذين لم يسووا وضعياتهم القانونية للإقامة، فتحتم عليهم قضاء العيد بين الأصدقاء والأقارب في جو ديني روحاني بنفحات إيمانية وعائلي، تبادلون فيه التهاني والتباريك والتغافر والتصافح.

صبيحة العيد والصلاة بستراسبورغ:

‎كغيرها عاشت مدينة ستراسبورغ، أجواء عيد الأضحى المبارك في ظل الأجواء الممطرة المغيبة والتي حرمت الكثير من أداء الصلاة في الفضاءات المعتادة والمساحات الشاسعة للعداد الكبيرة من المصلين. مما أضطرت المساجد بأداء الصلاة بداخلها على دفعتين لتمكين المصلين من أدائها. بإحياء الشعيرة الدينية بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد بالمساجد وإقامة الصلاة جماعيا كالمعتاد. إلا إنه بداية من الساعات الأولى لطلوع النهار بدأ الناس مكبرين مهللين ومسبحين حامدين الله شاكرين، إحياء لشعائرنا وسنة نبينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم, فرصة مكنت الجميع من القيام بها رفقة أهله وأطفاله في جو إيماني أستمتع به الأطفال.

مشاركة كبيرة في صلاة العيد بالمسجد الكبير بستراسبورغ:

إتجه غالبية أفراد الجالية الإسلامية رجال ونساء وأطفال رفقة أهالهم وأسرهم, صباح يوم عيد الأضحى لهذا العام 1446/2025 بأعداد كبيرة من المقيمين في ستراسبورغ وضواحيها (إلى المسجد الأم) المسجد الكبر في ستراسبورغ وإلى بقية المساجد الأخرى في المدينة لأداء صلاة العيد وشعائرها المتوارثة. وبسبب الأضظرابات الجوية والأمطار المتهاطلة التي حرمت المصلين من أدائها في الفضاءات الشاسعة نظرا لأعداد الهائلة مما أضطر إدارة المسجد إلى تخصيص فترتين صلاة للتخفيف من التزاحم مما إضطر البعض لكي يؤدي صلاة العيد خارج المسجد بسبب الأعداد الكبيرة والحشود المتوافدة.

يعد المسجد الكبير بستراسبورغ المفخرة العمرانية للمدينة مكلما لبقية المعالم الدينية في نموذجها ومركز إشعاع عالمي ومنارة علمية شامخة للجالية المسلمة برمتها وبمختلف جنسياتها وثقافاتها وتعدد لغاتها, وسبيلا لإرساء أواصر الأخوة وروبط المحبة مع غير المسلمين.

فقرة المداخلات والكلمات:

وفقا للبروتكول الإحتفالي المعتاد, رحب الأستاذ سعيد عالا رئيس المسجد الكبير في كلمته الملقاة بالمناسبة بجمع الحضور الغفير وأعرب لهم عن إمتنانه على تلبية الدعوى والحضور المكثف المميز, وتقديم أسمى التهاني بحلول هذا اليوم المبارك وقدم جزيل الشكر لجميع من ساهم من قريب أو من بعيد خاصة لفئة الشباب اليافع المتطوع وفرقه المجندة. في إقامة هذا الحدث الكبير, وخاصة السلطات المنتخبين المحلية للمدينة وذكر بقول الرسول عليه الصلاة والسلام من لم يشكر الناس لم يشكر الله.

إمام الصلاة وخطبتي العيد:

قام فضيلة الشيخ خليلو سيلا إمام المسجد الكبير بستراسبورغ بإمامة المصلين وإلقاء الخطبتين, وجاءت في خطبة العيد لتلخص كل هذا الكلمات كل المعاني وجواهر درر العيد، فخص الإمام على شكر النعم وحمد الله. وبعد إنتهاء الخطبة دعي جميع الحضور لتبادل التهاني والتغافر في مشهد عائلي أخوي إنساني مفعم بالمحبة والإخاء رغم ظروف الغربة والبعد عن الأهل والأحباب، وإختلاف عادات وتقاليد أبناء الجاليات المسلمة كل حسب بلده الأصلي، تبرز مظاهر العيد جلية في تعبير واضح عن التشبث بروح الأصالة العربية والإسلامية التي توحد الجميع.

                       المغترب والأضحية:

رغم غلاء الأسعار سعر كبش العيد, إلا إن بعض العائلات المقيمة بالمهجر تقضي عيد الأضحى في جو عائلي وديني رغم الشوق والحنين لفرحة العيد مع العائلة، وتحاول خلق جو من الأخوة والمرح بينهم حتى مع باقي الأشقاء وبعض المسلمين من الدول الإفريقية بإشراك بعض الأصدقاء الأوروبيين من باب الفضول من أجل التعرف على العادات و التقاليد. وفيما يخص طريقة إقتناء كبش العيد، يقومون بشراء أضحية العيد بأسعار متفاوتة كل وقدرته لكن هاته السنة الكثير حرم وأضطر للجزائر وجمعيات المساجد المرخصة بإقتناء أضحيته التي لا يسمح له بحضور ذبحها ونية الأضحية بسبب المنع وفرض الغرامة المالية والسجن لأشهر للمخالفين للتعليمات بمنع الذبح.

لا وجود لـنكهة وبنة عيد الأضحى دون الذبح وحضور عملية السلخ والتقطيع.:

يجد الكثير من أبناء الجالية أنفسهم مرغمين على إقتناء كبش مذبوحا من عند إحدى قصبات الجزارة أو الجمعيات الرخصة خاصة لجان المؤسسات المسجدية، كونهم لا يقومون بنحر الكباش بسبب منع سلطات البلد ذلك. فيقوم المضحي بتسجيل نفسه كما سلف ويحتجزها ليوم العيد.

المضحي بين السنة والغرامة:

يتعرض المهاجرون المضحين لغرامة مالية قد تصل إلى ما لا يمكن توقعه, بالأف الأورو والسجن لأشهر, في حالة مسك أحدهم متلبس يذبح كبش العيد خفية لوحده سواء في بيته أو أية جهة كانت، وحجز الغير مذبوحة، إذ بموجب قوانين البلد يمنع ذبح أضحية العيد ويضطر المهاجرون لشرائها مذبوحة كما سلف بذلك.

حنين الشوق للوطن والأهالي:

ففي هاته المناسبة الخاصة يشد حنين الشوق لدى المغتربين إلى أوطانهم وبلدانهم الأصلية وإلى أهاليهم وعائلاتهم وذويهم وتعطشهم لعاداتهم وتقاليدهم والأجواء المفعمة بالحوية والنشاط التي أعتادو عليها وترعرعوا فيها وبين أحضانها، حنين الأرض الذي لا يعوض ولا يوصف. من المغتربين من سافر إلى معارفه لقضاء العيد كما برمج له تماشيا ووقته وإمكانياته، خاصة إنه تزامن وعطلة نهاية الأسبوع, أما من لم يسعفه الحظ, بقي مثله مثل غيره يتحسر ويئن لعدم تمكنه من السفر والتمتع بمتعة اللمة العائلية والجمع الأسري. علمنا أن العيد يبقى الشغل الشاغل لكل مسلم ومسلمة بالغربة ولكل عربي ومغاربي بالمهجر لا يمكن له التنازل عنه ولا التفريط فيه مهما كان الحال والظروف والكل يعيشه حسب قدرته وإمكانياته.

                             عشية العيد وصيام يوم عرفة :

ككل مسلمي العالم صام مسلموا الجالية الإسلامية بستراسبورغ يوم عرفة على نهج السلف ومنهم من تقاسم وجبة الإفطار ليس من لهم عائلة أو إمكانيات تحضير الإفطار والتمتع بلذته. كما قام المركز الثقافي العائلي للتبادل بتنظيم أمسية دينية روحانية بعنوان رباط يوم عرفة من العصر إلى المغرب, تمت فيها ختم القرأن الكريم, جلسات الذكر, أدعية وتذكير، كما نظمت مائدة إفطار على شرف الحضور جاز القائمين عليها والمحسنين الخيريين.

المعايدة و التغافر والزيارات:

رغم ظروف العمل إلا أنها لم تمنع الأخوة من المعايدة على بعضهم البعض والتغافر والقيام بالزيارات وعيادات المرضى سواء بالمستشفيات أو بأماكن إقامتهم ممن بتابعون للعلاج بمنازلهم.

‎ طبق الكسكسي غذاء العيد المفضل بالمناسبة :

‎ومن عاداتنا وتقاليدنا التي نشأنا عليها وترعرعنا معها طوال سنوات تواجدنا بالبلاد طبق الكسكسي ( قصعة العيش التي تعرف ببعض المناطق بالجفنة) وكانت هاته السنة هنا بستراسبورغ وكانت في جلسة خاصة أين أجتمع عليه المشاركون من أبناء الجالية و بعض الطلبة الآفارقة. مع قعدة شاي بالنعناع و كاوكاو سبسب ومائدة حلويات العيد.

                           صدقة و تضامن و تأزر وتكافل:

وكما جرت العادة وللسنة ولتقسيم شاة الأضحية لثلاث قامت بعض العائلات بجميع نصيب الصدقة من الأضحية وتسليمه للمكلفين بتقسيمه وتوزيعه على مستحقيه من أبناء الجالية المعوزين ومن هم في حاجة لذلك وتوزيعه بالتنقل من مكان لآخر وتسليم الحصص لأصحابها بكل أمانة ونزاهة حفظهم الله ورعاهم وخلف عليهم بخلفة الخير.

وتبقى المعايدة عن بعد عبر الوسائل التكنولوجية على الأهل عن طريق الأنترانت وغيره من باقي وسائل التواصل. كون الأنترنيت هو الوسيلة الوحيدة للتواصل بينهم صوتا وصورة، والهاتف لمن لا يملك ذلك ولا تسمح له ظروفه المادية.‎ وهذا ما يخفف عنهم حدة الغربة بنقل أجواء العيد التي يفتقدونها في بلاد المهجر، خاصة لمن هم ممنوعون من الكثير من الأشياء التي تميز العيد في البلد الأم كنحر الأضحية في البيت أو الشارع وبهجة اللمة ونشوة الشواء مع الأطفال والعائلة الخ…

‎ عشاء لقاء أبناء الجالية السنة والتقليد المعتاد :

‎ومن بين عادات وتقاليد أجواء العيد التي تحرص عليها الجالية الجزائرية لأجل ربط العلاقات والتواصل و لم الشمل والإحساس بلذة العيد, إذ تنظم أمسية لقاء تزاور وتبادل تهاني العيد في سهرة عشاء في جلسة أمسية أخوية أسرية تضامنية تآزرية, تجمع الأشقاء الأخوة أبناء الجالية بستراسبورغ وما جاورها جلسة عشاء على شرف أبناء الجالية من لا أهل ولا قريب بديار الغرفة في سهرة أعادت لهم بريق حنين الشوق ونشوة العيد بالبلاد كما قال الأخوة.أين أجواء فرحة عيد الأضحى تغمر الجالية المسلمة؟

كانت هاته فعاليات أجواء عيد الأضحى لسنة 1446هـ/2025م من ستراسبورع .

الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون – ستراسبورغ فرنسا

إرسال التعليق