ضائعٌ بين أقرانه الجــــــزء الثّالث (10)

*

*
م. فوزي
الجــــــــــزائر

لم أكن أحمل همّا لما يجري في هذا العالم، ولا أحبّ أن أعكّر صفوة حياتي بهموم الدّنيا وتعاسة الآخرين. كانت الدنيا كلها لا تساوي شيئا عندي، وفي نظري هي عبارة عن سقط متاع و نكتة أو مزحة قديمة عافها الزّمن. وإن لم يعجبنِ شيئا حتى وإن كان من الفرائض والواجبات تملّصتُ منه، ومهما كان يمثّل هذا الشيء بالنسبة للآخرين، وبحثتُ عن شيء آخر حتى وإن كان هذا الشيء لا يرضي غيري. لم يكن هناك ما يشغل بالي وتفكيري سوى اللهو وتمضية الأوقات في التسلية والمرح.
كل شيء حينها كان يشجّع على اللّهو والمرح، نظرا لتوفّر عدّة شروط منها الأمن والسلم والاستقرار والرّخاء، وسهولة الحصول على شغل أو وظيفة قارّة. لم نكن يومها نشغل أنفسنا بالسيّاسة ولا بأمور الأقتصاد، كنا تركنا مثل هذه الأمور لمن كان همّه المناصب وجمع الأموال. ربما لأنّه لم تكن لدينا مسؤوليات آنذاك، فلم نكن نشعر بالحاجة إلى الشّغل والمال، بالرّغم من وجود نوع من الطبقيّة والتفاوت الاجتماعي. لكنّها كانت طبقية بسيطة ولم تكن بنفس الحدّة والطغيان الذي هي عليها في هذه الأيّام.
كان القائمون على المركز الإداري يغدقون علينا بالوجبات اليومية المتنوّعة، ومنحة شهرية تتمثّل في شبه مرتّب صغير، ولكنّها ـ المنحة ـ كانت كافيّة لاقتناء بعض من الحاجيات اليومية. بالإضافة إلى ما كان يوفّره لنا هؤلاء القائمون من غرف للمبيت، وفي مكان جميل و محترم بوسط المدينة.
للأسف فقد تم تحويل المكان الذي كانت تحيط به أنواع الأشجار و الورود والأزهار الجميلة، إلى أكشاك تروّج التبغ وما يشبهه من السّموم. وكأنّهم أرادوا لهذه المدينة الأثرية الجميلة التي كانت قد نالت في أحد الأيّام جائزة ”أجمل و أنظف مدينة“ في جزائر الثمانينيّات، أن تتوشّح بلون الحزن والسّواد!
لم أكن أفكّر مطلقا في الدبلوم، ولا فيما بعد التخرّج. ولذلك، لم تكن الدّروس تحظى باهتماماتي. وكان الوقت ينضب، ومعه بدأ العد العكسي يوحي بالتوجّه نحو فترة التدريب. وهذا يعني الامتثال للأمر الواقع والانخراط في الجديّات.
بالفعل، وبعد أيّام حضر ممثل الإدارة إلى القسم ومعه استمارات لإبداء الرغبة في اختيار الهيئة أو المؤسّسة التي سيتعيّن على كل واحد منّا الالتحاق بها لأداء الفترة التدريبيّة. فاختار كل واحد منا المكان أو الهيئة و المؤسّسة التي تناسبه؛ وفي الحقيقة لم يتركوا لنا مساحة للتعبير عن رغبتنا الفعلية في هذا الأختيار، وإنّما كانت الأولويّة تُعطى لأماكن الإقامة ثم ما يليها من الأماكن القريبة. وهذا ماجعلني أضع بلدية (مداوروش) في المرتبة الأعلى أو الأولى، باعتبارها مكان إقامتي بالإضافة إلى كونها مسقط رأسي.
كل ذلك تم في ظروف استثنائيّة؛ لم يعهدها المركز الإداري الذي صار يُسمّى فيما بعد بالمعهد المتخصّص للتكوين المهني، نظرا للسياسة التي رسمتها الدولة؛ والتي كانت تهدف إلى استحداث ولايات وبلديات جديدة، وما يُسمّى ”بالجماعات المحليّة“ آنذاك: أي عام (1985). مع ضرورة الإسراع في التكوين لملء الفراغ الذي سينجم عن التقسيم الإداري وهذا الواقع الجديد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك