الفوضى و الوسخ ليسا عيدا دينيّا
معمّر فارح
يا جزائر، يا بلد الثورة والجمهورية، ماذا حلّ بعقولك المستنيرة؟ أين أطبّاؤك المناضلون، و علماؤك الإنسانيّون، ومعلّموك الحاملون لمشاعل المستقبل والنّور؟ أولئك الذين آمنوا بالحداثة والتّقدم؟ لقد خُنقت أصواتهم في ضجيج الشّاحنات المهترئة المحمّلة بالخرفان، غارقين في وديان من الدّماء التي تهتف عبر شوارع المدينة: “عيد مبارك !”
لا أحد يُنكر قدسية فعل إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ فهو تقليد متجذّر في أعماق قلوبنا وعقيدتنا. إنما المُستنكر هو هذا “الكرنفال” الذي يحوّل الأحياء إلى حظائر حمراء، فتُشوَّه روح العيد ومقاصده. إذ يمكننا، بل ينبغي لنا، أن نكيّف هذه الشعيرة بما يليق بها في القرن الواحد والعشرين (21). فمن الممكن تمامًا أن نُنجز هذا النّسك في ظروف تليق بعصرنا، وتحفظ الكرامة، وتراعي شروط النظافة والسّكينة. ألا يليق بنا أن نضحّي مثل السّعوديين و القطريين، في ظروف عصريّة ؟
من تجرّأ وتحدّث عن القذارة التي لا تليق بقداسة هذا الحدث فإنه يُصلب في الحال على محراب الاتّهام؛ و يُرمى بالكفر، و يُنعَت بالخيانة، و يُتّهم بعداوة الدين. بل ولربّما يُوصَم بأنّه من أعوان الماسونية!
فمن يسكن برجًا عصريًا، لا يليق به أن يجرّ خروفًا في السّلالم، ولا أن يربطه في الشّرفة لأيّام. علينا أن نشجّع على إنشاء أماكن خاصّة للذّبح والسّلخ في الأحياء السّكنية، ومزارع متخصّصة تتولى البيع والذّبح من أجل تقديم منتج نظيف ومضمون لزبائنها.
ويأتينا الجواب من طرف بعض المنتسبين إلى الدّين في شكل عبارات جاهزة تُردَّد كالتعويذات: «هذا من الدين!» أو «لا نُغيّر من عاداتنا!». لكن، منذ متى يُبارك الله العفن في السّراديب، والأحشاء التي تُرمى على الشّرفات، والدّم الجاري في المزاريب، واليرقات تزحف في الشوارع؟
يقولون: «الدِّين!» ولكن أيُّ دينٍ هذا؟ إنّما الدِّين هو ذلك الذي يدعو إلى النّظافة والطّهارة، والتكافل الإجتماعي؟ وليس الذي يبرّر الفوضى والروائح الكريهة؟ أهو إسلام النبيّ الكريم ـ عليه أفضل الصّلاة وأزكى السلام ـ أم إسلام المجمّدات المليئة باللحّم المعدّ لبطون شبعى؟ ننسى اليتيم الذي ينتظر لمسةَ عطاء، والجار الفقير الذي تفضحه عيناه حين تُعلن عن كربه بصمت، والعامل البسيط الذي اعتاد أن يُقرض نفسه للهمّ والدَّين، ويبتلع كرامته طلبًا لفرحةٍ صغيرة على وجوه أطفاله المساكين.



إرسال التعليق