عندما يرفض السياسيون نصائح الخبراء

القيادة بين التحذير والتجاهل: دروسٌ من الكارثة

أوزجان يشار

في لحظة فارقة من التاريخ، انفجر مكوك الفضاء الأمريكي “تشالنجر” في السماء بعد 73 ثانية فقط من إطلاقه، صباح الثامن والعشرين من يناير عام 1986، على مرأى من العالم كله، منهياً حياة سبعة من خيرة روّاد الفضاء. لكن ما انفجر لم يكن فقط المكوك، بل أيضًا أحد أكبر أوهام القيادة المؤسسية: وهم السيطرة دون استماع، والقرار دون إنصات، والتخطيط دون واقعية ميدانية.

لقد سبق الكارثة تحذير واضح ومكتوب من أحد المهندسين الرئيسيين في المشروع، “روجر بواجلوي” من شركة “مورتون ثيوكول”، الذي نبّه إدارة “ناسا” إلى أن درجة الحرارة المنخفضة في صباح يوم الإطلاق قد تؤثر على الحلقات المطاطية (O-rings) في معززات الوقود الصلب، مما قد يؤدي إلى فشل كارثي. قالها حرفيًا: “قد نخسر الأرواح.” لكن صوته خُنق، وتحذيره أُهمل تحت ضغط الجداول الزمنية والطموحات السياسية. والنتيجة؟ كارثة بشرية وتاريخية لا تزال تُدرّس حتى اليوم، لا باعتبارها فشلًا تقنيًا، بل فشلًا قياديًا بامتياز.

هذه الحادثة لم تكن مجرد فصل مأساوي في سجل رحلات الفضاء، بل مرآة لما يحدث في كثير من المؤسسات حول العالم. فالتحذيرات غالبًا ما تأتي من الميدان، من الفنيين الذين يتعاملون مع التفاصيل، من أولئك الذين يرون التشققات قبل أن تنهار الجدران. لكن الأصوات القادمة من الخطوط الأمامية كثيرًا ما تُقابَل بالتقليل، أو التجاهل، أو التأجيل. لأن من يجلسون في المكاتب المغلقة يرون العالم عبر الجداول والتقارير، لا عبر العيون التي تواجه الواقع كل يوم.

في بيئات العمل، كثيرًا ما نجد من يُحذّر من استنزاف الموارد، أو من الإرهاق الجماعي، أو من النزيف الصامت في الكفاءات. هناك من يصرخ بأن “السفينة تتسرب”، لكن صوته يُردّ عليه بعباراتٍ جاهزة من قبيل: “هكذا سار العمل دائمًا”، أو “غيرنا أسوأ حالًا”، أو “اصبروا… وسننجو”. إلا أن هذا النوع من التجاهل لا يُنتج الصمود، بل يُراكم الخلل، ويُعمّق الفجوة بين الخطط الورقية وما يجري على الأرض.

القيادة الحقيقية لا تقوم على التشدّق بالشعارات، ولا على تقليص النفقات على حساب الروح البشرية، بل على الإنصات الصادق، والتكيّف المسؤول، والشجاعة في اتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية، لكنها منقذة. إنها القدرة على الإصغاء لمن يملك المعرفة لا المنصب، وعلى احترام من يلمس العطب قبل أن يراه الجميع متأخرين.

من بين دروس القيادة الحديثة التي يمكن استخلاصها من مثل هذه الكوارث، يتصدرها ضرورة الإصغاء للخبراء وأصحاب التخصص، خاصة أولئك الذين يتعاملون يوميًا مع التحديات الفنية والميدانية، فهم الأقرب إلى الخطر، والأصدق في تشخيصه. كما أن تجاهل التحذيرات، أو تأجيلها، لا يدرأ الخطر بل يؤجله، إلى لحظة يكون فيها الثمن أكبر من أن يُحتمل.

القيادة الناجحة هي التي تحقّق توازنًا حقيقيًا بين الأهداف والوسائل، بين الطموحات الواقعية ومتطلبات السلامة. الضغط من أجل إنجاز ما، أو تحقيق مكسب سريع، لا يجب أن يكون على حساب الجودة أو الأرواح أو الضمير المهني. بل إنّ جوهر القيادة في قدرتها على تمييز الإيقاع الصحيح للمؤسسة دون الانقياد لضجيج الخارج.

ومن أسس القيادة المتقدمة كذلك، ترسيخ ثقافة إنصات لا شكلية، ثقافة تحترم الصوت الميداني كما تحترم الرؤية العليا. يجب أن يكون الباب مفتوحًا دائمًا أمام الرأي والنصيحة، لا أن يظل مُغلقًا بأقفال الهيبة أو البيروقراطية. القادة الجديرون لا يخشون التراجع حين يُكتشف الخطأ، ولا يُكابرون حين يُوجَّه إليهم النصح، بل يرون في كل تحذير فرصة للإصلاح، وفي كل ملاحظة مدخلًا للتطوير.

وشجاعة الاعتراف بالعيوب الصغيرة قبل أن تتحوّل إلى كوارث كبيرة، هي علامة نضج لا ضعف. فالحكيم من يعالج الخلل حين يُرى بالإبرة، لا حين يتحول إلى نزيف لا يُوقف.

من الأمثلة الحديثة أيضًا، ما حدث أثناء انهيار بعض المشاريع الهندسية الكبرى، أو فشل الشركات الناشئة، حين تجاهلت إداراتها تحذيرات مبكرة من موظفيها بشأن سوء التقدير أو ضعف الجاهزية، فقط لأن “الأرقام تبدو جيدة” أو لأن “المستثمرين لا يملكون صبرًا”. وهكذا، انتصر الوهم على الواقع، وسقطت الكيانات تحت عبء المكابرة.

وفي المستشفيات، كم من ممرضة لفتت النظر إلى صرف دواء خاطئ، أو إلى تغيّر طارئ في حالة مريض، لكن لم يُؤخذ كلامها على محمل الجد، فقط لأنها لا تحمل لقب “دكتورة”؟ وكم من موظف في شركة اكتشف ثغرة في نظام إلكتروني، لكن لم يُصغ إليه أحد حتى وقع الاختراق بالفعل؟

إن الحقيقة واضحة: التحذيرات الصادقة لا تأتي غالبًا من الأعلى، بل من أولئك الذين تلامس أيديهم التفاصيل، وتدرك أعينهم الكارثة وهي تتهيأ. هؤلاء لا يملكون سلطة القرار، لكنهم يحملون بوصلة النجاة.

إن أكبر ما يُهدد الكيانات ليس الأعطال ولا الأزمات، بل ثقافة الصمت، وتراكم التجاهل، وادعاء السلامة وسط أصوات التحذير. فالتحذير المهني الصادق ليس تمردًا، بل هو ضمير المؤسسة حين ينطق. والقيادة التي تُصمّ أذنيها عن ذلك، لا تستحق أن تمسك الدفّة. فالسفينة التي تُخرس من يرى الثقب، ستغرق بالجميع… حتى القبطان.

حين تُمنع الأصوات من التحذير، وتصمّ القيادة أذنيها عن الفهم،
لا يبقى للنجاة معنى،
وتغرق السفينة بالطاقم والقبطان معًا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك