كيف تعامل العالم مع احتلالين ؟

محمد رضا عباس

الاحتلال الأول هو قرار صدام حسين باحتلال دولة الكويت الشقيقة في 2 اب 1990 عام , فيما ان الاحتلال الثاني هو احتلال الكيان الصهيوني قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول 2023. الاحتلال الأول قتل من الشعب الكويتي 570 مواطنا و 605 بين اسير و مفقود وانتهى , فيما وصل عدد شهداء غزة على يد قوات الكيان الصهيوني كما هو عليه في يوم 15 أيار هو 52,928 شهيد و 119,846 جريح والعدد يتزايد . منذ اليوم الأول لاحتلال العراق لدولة الكويت خرجت تصريحات عالمية تندد بالاحتلال وتطالب العراق بالانسحاب الفوري من الكويت . لم يستجب العراق للنداءات العالمية للانسحاب , فتدافعت القرارات الدولية التي تهدد العراق بالويل والثبور وعظائم الامر , وكانوا من الصادقين . 34 دولة شاركت بالحملة العسكرية تقودها الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت , وتم ذلك يوم 26 شباط 1991 , أي بعد 7 اشهر من الاحتلال, ليتبعها حصار عالمي قضى على الأقل على نصف مليون عراقي بسبب سوء التغذية وقلة الدواء. كان العراقيون يموتون من امراض من الممكن انقاذهم منها بدواء مطروح في صيدليات الدول العربية المجاورة .
الاحتلال الصهيوني لدولة فلسطين استمر لحد الان 77 عاما وما زال مستمرا و يتمدد بدون أي معارضة دولية تذكر . غزة انتفضت ضد الاحتلال في 7 تشرين الأول 2023 . ولكن بدلا من الدعم العالمي لضحايا الاحتلال والضغط على إسرائيل لأنهائه , تراكض الغرب الى اغراق الكيان الصهيوني بالأسلحة الفتاكة للقضاء على الانتفاضة , ففتحت الجسور الجوية والبحرية و البرية لتوصيل كل أنواع السلاح من اجل عدم تمددها , ناهيك عن التصريحات بعض المسؤولين الغربيين التي دعمت إسرائيل في قتالها اهل غزة و التي لوثت سمعت بلادهم . هذا الدعم الغربي بالسلاح والمال و التصريحات هو الذي شجع إسرائيل باستخدام العنف المفرط في غزة و القتل الجماعي الذي اصبح يشكل غصة وغضبا عارما عند محبي السلام حول العالم وخطرا على السلم العالمي . العنف الذي تستخدمه إسرائيل مع اهل غزة و بدون مسائلة اممية ستمهد الطريق لحروب مماثلة في الكثير من بقاع العالم , وستعطي المبرر للدول الأخرى باستخدامها بدون النظر الى القوانين الدولية بعين الاحترام ,و يعم الاحتراب بين الأمم بدون سيطرة , والتي قد تتطور الى حروب كبيرة . ان اخفاق الأمم المتحدة بوقف المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين العزل افقد هيبتها ولم يعد احد يحترمها .
غزة ليست بحجم روسيا ,و سكانها ليس بحجم سكان الهند . ان مساحتها 365 كيلو متر مربع ونفوسها اكثر بقليل من مليونين ولكنها قاتلت قتال الابطال , قتال دولة بحجم مساحة روسيا وحجم نفوس الهند وأثبتت للعالم اجمع ان الشعب الفلسطيني يستحق الحياة ويستحق ان يكون مثلا يحتذي به كل من يقدس الحرية والكرامة .
اكثر من سنة ونصف وإسرائيل تستخدم كل تكنلوجيا العصر الحديث ضد أبناء غزة , ولكن صمود اهل غزة باقي ولم يقهر . قوات الاحتلال قتلت قادتها مع عوائلهم , ودمرت المدينة بنسبة 70% , حيث ان الكيان الصهيوني تعمد ان تكون هذه المدينة , غزة هاشم , غير قابلة للسكن فيها .اخر تقرير عبري وبدون خجل او مراعات الوجدان الإنساني يقول ” هدم الممنهج وبلا ضرورات عملياتيه تمهد لطرد الغزاويين” , فيما يعترف رئيس وزراء الكيان بتدمير المنازل في غزة عمدا لأخلائها من سكانها . عدا ازدياد عدد الشهداء الذين يساقطون كل يوم , واخرها استشهاد اخ السنوار مع ثلاث من أولاده في إشارة لإخراس كل صوت ينادي بالتحرير.
كل هذه الفظاعات , والدول التي ركضت لنصرة دولة الكويت نامت عن نصرة غزة . هل سمعت ان دولة غربية طلبت انعقاد مجلس الامن لدراسة الوضع في غزة ووقف العدوان عليها ؟ 14 قرار اممي صدر ضد العراق خلال 7 اشهر من الاحتلال , ولكن لحد الان لم يجتمع مجلس الامن للنظر في مجازر غزة و الدعوة لوقف القتل . بالحقيقة أصبحت إسرائيل هي التي تهدد الأمم المتحدة لأي محاولة للاجتماع , والكل قراء خبر اعتبار الأمين العالم للأمم المتحدة شخص غير مرغوب به في إسرائيل , ورفض قرار محكمة العدل الدولية باعتبار بنيامين نتنياهو مجرم حرب يجب محاكمته. نتنياهو عنده القدرة على السفر الى أي بلد يختاره دون الخوف من ملاحقة القانون الدولي . فهل أحدا سوف يحترم قرار المحكمة الدولية بعد الان ؟ والغريب ان الولايات المتحدة الامريكية اعتبرت أعضاء هذه المحكمة ناس غير مرغوب بهم وعدم السماح لهم بدخول البلاد !
ليس القتل باهل غزة فقط , وانما هناك عملية تجويع ممنهجه لهم . لقد اصبح توصيل الطعام والشراب لهم قرارا ليس دوليا وانما قرارا إسرائيليا يمنعوا دخوله متى ما أرادوا , اذا ادخلوا البعض منها القطاع الجائع فانه من اجل ” تجنب الانتقادات لدولية” . انه من العار على العالم ان تصطف عشرات المئات من الشاحنات وهي محملة بالطعام والشراب والأدوية , والقوات الإسرائيلية لا تسمح لهم . ان الرئيس الأمريكي وهو يركض وراء جائز نوبل للسلام , من الاحسن له الاجتهاد في اشباع جياع غزة و علاج مرضاهم , هذا العمل سيسجله التاريخ له وسيكون حديث البيت والسوق و المقاهي , وهو الذي سيمهد له الفوز بالجائزة . شراء غزة واضافتها الى الولايات المتحدة او طرد أهلها وتعميرها من جديد لتكون رافيرا العرب سوف لن يؤهله للجائزة .
ان الازدواجية في التعامل مع القضايا الدولية لها تبعات خطيرة على السلام العالمي . كل ما به فائدة للغرب مسموح به وبعكسه غير مسموح به . الخوف من سيطرة صدام حسين على منابع النفط العربية ارعب الغرب فركضوا لنصرة الكويت , ولو لم يكن النفط هو القضية لما نطق قائد منهم بحرف و لتركوا صدام يقود المنطقة . إسرائيل تنفذ الرغبات الغربية , فلابد لهم من حمايتها مع معرفتهم بخرقها القوانين الدولية .
ان استمرار هذا النهج الازدواجي يشكل خطرا ليس على المنطقة فحسب وانما يؤدي الى انهيار القيمة الغربية والتي يحاولون تطبيقها على البشر . انه يشكل خطرا على المنطقة لان بقاء فلسطين تحت الاحتلال سوف لن يجلب السلام للمنطقة , واذا سقط فارس هذا اليوم , فسيكون الف فارس غدا . وان الازدواجية في التعامل الغربي سوف يؤدي الى عدم احترام القيم الغربية ويصبح من الصعب تسويقها للأخرين , وهو ما يريده أعداء الديمقراطية والتعددية .

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك