“القبة الذهبية” (Golden Dome) النظام الأمريكي المضاد للصواريخ الفرط صوتية

القبة الذهبية الأميركية: درعٌ أم شرارة؟ – قراءة تقنية واستراتيجية في مستقبل سباق التسلح

خالد خليل

في مشهد يُذكّر بمشاريع كبرى من زمن الحرب الباردة كـ”مبادرة الدفاع الاستراتيجي” (حرب النجوم) في عهد ريغان، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو 2025 عن مشروع دفاعي غير مسبوق أطلق عليه اسم “القبة الذهبية” (Golden Dome).
بميزانية ابتدائية قدرها 175 مليار دولار، يُصوَّر المشروع كدرع مستقبلي لحماية الولايات المتحدة من التهديدات الناشئة، وعلى رأسها الصواريخ الفرط صوتية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة:
هل تمثل “القبة الذهبية” ذروة الردع… أم بداية سباق جديد لتجاوزها؟

ما هي القبة الذهبية؟

التعريف العام:

نظام دفاع متعدد الطبقات يشمل:

  • أقمار صناعية للإنذار المبكر والتتبع.
  • رادارات متقدمة بتقنيات GaN.
  • صواريخ اعتراضية ضد الأهداف الفرط صوتية.
  • أنظمة ليزر وطاقة موجهة للتدمير المباشر.

المكونات التقنية الأساسية:

  1. الأقمار الاصطناعية متعددة النطاقات
  • تغطي المدار الأرضي المنخفض والمتوسط.
  • مزوّدة بمستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء والميكروويف.
  • تستخدم تقنيات المعالجة الموزعة بالذكاء الاصطناعي لتحديد التهديدات قبل دخولها الغلاف الجوي.
  1. رادارات AN/TPY-2 (محسّنة بـ GaN)
  • قادرة على تتبع أهداف تفوق سرعتها 5 ماخ بدقة.
  • تعتمد على تقنية Gallium Nitride لتوفير كثافة طاقة أعلى، وتمايز أوضح بين الأهداف والمشتتات.
  1. صواريخ اعتراض “Glide Interceptors”
  • مصممة لاعتراض المركبات الانزلاقية الفرط صوتية (HGVs).
  • مزوّدة بمحركات دفع متغير الاتجاه ومحاكيات استشعار حراري.
  • تعتمد على “القتل الحركي” (hit-to-kill) بدلاً من الرؤوس المتفجرة.
  1. أنظمة الليزر عالية القدرة
  • تستخدم طاقة موجّهة بترددات فوق مرئية لتفكيك الأهداف من مسافات قريبة نسبيًا (<500 كم).
  • يجري اختبارها حاليًا على متن طائرات بدون طيار ومركبات فضائية صغيرة.

لماذا الصواريخ الفرط صوتية؟

تمثّل الصواريخ الفرط صوتية تحديًا غير مسبوق لأن:

  • سرعتها تتجاوز 5 ماخ (6000 كم/س).
  • مناورتها داخل الغلاف الجوي يصعّب من تتبعها.
  • مسارها غير الباليستي يجعل أنظمة الإنذار التقليدية شبه عديمة الجدوى.

مثال:
الـ”Avangard” الروسية وDF-ZF الصينية تتحرك بمسارات انزلاقية على ارتفاعات منخفضة وتُغيّر اتجاهها بسرعة، مما يتطلب استجابة آنية من أنظمة الدفاع.

التحديات التقنية لمنظومة Golden Dome

  1. الكمون الزمني (Latency)
  • تحتاج المنظومة إلى اكتشاف وقرار واعتراض في أقل من 30 ثانية في بعض الحالات.
  • يتطلب ذلك استخدام أشباه معالجات فوتونية وذكاء اصطناعي شبه لحظي.
  1. الطاقة والتبريد
  • أنظمة الليزر تتطلب قدرة كهربية هائلة وتبريد فائق باستخدام تقنيات جديدة في الموصلات الفائقة.
  1. استقلال القرار
  • المشروع يتطلب نظم “استجابة آلية” قد تصل إلى القرار بدون تدخل بشري — ما يفتح الباب على مصراعيه لمخاوف “الأسلحة الذاتية القاتلة”.

السباق المضاد: كيف سيرد الخصوم؟

روسيا والصين وإيران (وحتى كوريا الشمالية) لن تقف مكتوفة الأيدي:

  1. تطوير صواريخ أسرع وأذكى:
  • استخدام محركات سكريمجت معدّلة للسرعات فوق 10 ماخ.
  • تطوير مركبات فرط صوتية مزوّدة بـ نظم تشويش مغناطيسي.
  1. استهداف مكوّنات المنظومة:
  • أسلحة مضادة للأقمار الصناعية (ASAT) لتدمير عيون القبة الذهبية.
  • حرب إلكترونية هجومية لتضليل الرادارات.
  • إطلاق هجمات تشتيتية (Saturation Attacks) تُغرق النظام بأهداف كاذبة.

ما وراء القبة: هل نحن أمام عقيدة ردع جديدة؟

تُعيد القبة الذهبية طرح فكرة “التفوّق الدفاعي الكامل” التي كانت مهجورة منذ الحرب الباردة.
لكن المفارقة أن السعي نحو درع مطلق قد يؤدي إلى:

  • كسر التوازن النووي.
  • زيادة احتمال الضربات الوقائية من قبل القوى المنافسة.
  • إدخال الذكاء الاصطناعي كجهة “مقرّرة للحرب” بدلًا من البشر.

خلاصة: قبة أم فخ؟

القبة الذهبية ليست مجرد مشروع دفاعي، بل هي بيان سياسي-تقني يقول: “نحن نُعيد تشكيل قوانين اللعبة.”
لكن كما علمتنا الفيزياء والجيوبوليتيك:

“كل قبة تُبنى، تُقابَل بسهمٍ جديد يخترقها.”

في هذا السياق، فإن “القبة الذهبية” قد لا تكون نهاية التهديد، بل بداية زمن تسلح جديد يتجاوز الحدود، الأرض، والقرار الإنساني ذاته.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك