الدين في حقيقته ليس مجرد تحسن، بل قيم ورمزية تحكم
محمد بسيوني
الدين في حقيقته ليس مجرد ممارسة فريدة، بل قيم ورمزية تحكم وجدان المجتمعات. والسياسة، يجب أن تتعهد عن اعتناقها، وتستمد نفسها من حضورها حين يأتي الأمر بتثبيت الشرعية أو كسب التأييد الشعبي أو بناء الجسور بين الشعوب. وهذا يثبت أن الفصل السئ بين الدين والسياسة أقرب إلى العدم منه إلى الواقع. فالدين لا يزال يلعب دورًا مركزيًا في توجيه الجهود، حتى في الدول التي تعكس الشعار العلماني. حضور هذا العدد من الناجمة عن الدول بنكنازة البابا ليس مجرد اعتراف بالقيادة الدينية الكبيرة، بل هو تعبير عن إدراك عميق للقوة الرمزية الثقافية في تشكيل العلاقات الدولية والتأثير في الشعوب.
ما مؤكده الدكتور سعد الدين الهلالي من دعوة لـ”عرض كل الآراء وترك الناس يختارون” يبدو في ظاهره دعوة إلى الحرية، لكنه في حقيقة تنازله خطير عن دور العالم في تمييز الحق من الباطل، والراجح من الشاذ، وتحويل الدين إلى “قائمة الخيارات” بلا توجيه ولا ميزان.
الفقه ليس سوبر ماركت، والعلم الشرعي ليس نشر تعريفات. العالم ليس مجرد ناقل للآراء، بل تممن على تمييز اختار من، والراشد من المنحرف. عندما يترك الباب الناس يقولون أي قول دون ترجيح مفتوح، فهو يفتح للفوضى، ويتغير الأمر، ويتحول إلى أهواء.
والمشكلة الكبرى أن الدكتور الهلالي لا يعرض “جميع الآراء” العاطفية، بل ينتقي ما يوافق فورد العام أو يُحدث ضجة، ويغيب أقوال جمهور العلماء الراسخين الذين يمثلون الاجتهاد المنظم على مدى قرون.
نعم، لا وصاية على الناس، لكن لا يوجد مساواة بين رأي إمام مجتهد وأي شاذ مهجور. الحرية الحقيقية تكون في الحق المُعلَّل، لا في الحيرة المقنَّعة. ومهمة العالم جزء لا ينقل كل ماتارتارك، بل بيان ما يصح ولا يصح، ويتحمل مسؤولية الكلمة أمام الله والناس
د. محمد ابراهيم بسيوني



إرسال التعليق