نظرية كيس الفئران: السرّ المظلم في حكم الشعوب عبر الفوضى!
نظرية كيس الفئران: السرّ المظلم في حكم الشعوب عبر الفوضى!
عقيل الفتلاوي
صحفي وباحث
في رحلة قطار متجهة من الريف إلى القاهرة، جلس مهندس زراعي شاب في مقعده محدقاً في النافذة، تاركاً أفكاره تسبح في أحلامه المستقبلية. بجانبه، توقف فلاح مسنٌّ يرتدي جلباباً بسيطاً، ويحمل بين قدميه كيساً (شوالاً) قديماً مربوطاً بإحكام. لم يبدُ الكيس مميزاً للوهلة الأولى، لكن تصرفات الفلاح الغريبة لفتت انتباه المهندس.
اللغز في الكيس ..
طوال الرحلة، كان الفلاح يمسك بالكيس بين حين وآخر، يهزه بقوة، ثم يقلبه ويخلط محتوياته بعنف، قبل أن يعيد وضعه بين قدميه. تكرر هذا المشهد كل ربع ساعة تقريباً، وكأنه طقسٌ لا بد منه. ازداد فضول المهندس، حتى لم يتمالك نفسه وسأل الفلاح:
ياعم، ما قصة هذا الكيس؟ ولماذا تهزه بهذه الطريقة ؟
نظر الفلاح إليه نظرةً تحمل ذكاءً خفياً، ثم أجاب:
(هذا الكيس مليء بالفئران والجرذان التي أصطادها من الحقول. أبيعها للمركز القومي للبحوث في القاهرة لاستخدامها في التجارب).
استغرب المهندس أكثر، وقال:
(طيب، لكن لماذا تهزها كل هذه المرة؟ أليس من الأفضل تركها في هدوء؟ )
ضحك الفلاح مبتسماً، ثم أجاب بنبرة تعج بخبرة سنوات:
(لو تركت الكيس دون هزّ، ستشعر الفئران بالاستقرار، وسرعان ما ستهدأ وتتوقف عن الخوف. حينها، ستبدأ في التعاون مع بعضها، وتستخدم أسنانها الحادة لقضم الكيس وثقبه حتى تهرب. لذلك، أهزّ الكيس كل ربع ساعة لأبقيها في حالة رعب دائم، فتظل مشغولة بالعراك والصراع فيما بينها، وتنسى فكرة الهروب تماماً! )
سكت المهندس مندهشاً، ليس فقط من ذكاء الفلاح البسيط، بل من العمق الفلسفي الذي تحمله فكرته. ففي كيس الفئران هذا، رأى انعكاساً لواقع أمته.
بدأ عقله يربط الخيوط: ( ماذا لو كانت الشعوب مثل هذه الفئران؟ ماذا لو كانت القوى الكبرى تهزّ “كيس” المنطقة بين الحين والآخر، لضمان بقائها في حالة فوضى دائمة؟ ).
هذه القصة القصيرة ولّدت ما يُعرف بـ (( نظرية كيس الفئران ))، التي تفسر كيف تُستخدم الأزمات والصراعات كأداة للسيطرة على الشعوب. فكلما بدأت دولة أو أمة تشعر بالاستقرار، تظهر فجأة أزمة سياسية، أو حرب أهلية، أو فتنة طائفية، أو انهيار اقتصادي، فتنشغل الأمة بالصراع الداخلي وتنسى من يتحكم بمصيرها الحقيقي.
كيف يتم (هزّ الكيس) في العالم الحقيقي؟
- الفتن الطائفية والمذهبية : تُثار النعرات الدينية والعرقية لتمزيق نسيج المجتمعات، كما حدث في العديد من الدول العربية.
- الحروب بالوكالة : تُسلّح الأطراف المتصارعة ضد بعضها، بينما تُسرق الموارد تحت ذريعة الحرب على الإرهاب .
- الإعلام المُوجّه : تُستخدم وسائل الإعلام لتضخيم الخوف وإلهاء الشعوب عن القضايا الجوهرية.
السؤال الأهم هو: كيف يمكن للشعوب أن تكسر هذه الحلقة؟ الجواب يكمن في: - الوعي باللعبة : معرفة أن الاضطرابات ليست صدفة، بل جزء من مخطط لاستنزاف طاقة الأمة.
- التعاون بدل الصراع : إذا توقفت الفئران عن العراك واتحدت، فسيصبح قضم الكيس أمراً سهلاً.
- بناء المناعة الذاتية : تقوية الاقتصاد المحلي والاعتماد على الذات يقللان من تأثير الهزات الخارجية.
ختاماً هل نستفيق قبل فوات الأوان؟
القصة التي رواها الفلاح المسن ليست مجرد حكاية، بل هي مرآة تعكس واقعاً مريراً. فالشعوب التي تظل غارقة في صراعاتها، ستجد نفسها دائماً في قاع الكيس. أما تلك التي تدرك اللعبة، فقد تتمكن يوماً ما من قضمه والتحرر.
فهل نتعلم من الفئران؟ أم نظل ننتظر الهزة القادمة؟



إرسال التعليق