ضائعٌ بين أقرانه الجـــزء الثّالث (2)
*
رشيد مصباح (فوزي)
الجزائر
*
تختلف معايير الجمال باختلاف المجتمع والشعوب والثقافات؛ وهناك من يرى الجمال مظهرا وصورة، وهناك من يرى الجمال في اللّغة والبيان، وهناك من يراه في الأخلاق والقيّم، وهناك من يراه في الرّوح والعبادات… لكنّك لن تجد في المجتمعات البدائيّة والمتخلّفة مثل هذه المعاني مجتمعة، وأمّا مفهوم الجمال عندنا؛ في المجتمع الذي نشأتُ وترعرعتُ فيه، ففي لون العينين وتسريحة الشعر.
في مجتمع كالّذي نشأتُ وترعرعتُ فيه، الجمال أخذ مكانه في المظهر والشكل، ولا قيمة لغير ذلك. وهذا ما جعلنا كأفراد نتأثّر بهذا المفهوم السطحي لحقيقة الجمال، ”ثقافة المظهر“ و”الزي الخارجي“ ولا نولي أهميّة للقيّم ولا للأخلاق ولا للجوهر. وأنا أخص بكلامي جيلا معيّنا، لأن الأمور قد يطرأ عليها تغيير، وهذا من سنن الله في هذه الحياة.
لقد انصبّ اهتمامي كلّه تقريبا على شكلي وتسريحة شعري ”الترافولتيّة“ خلال فترة الشباب؛ في مرحلة من مراحل المراهقة التي لا أدري كيف تخلّصتُ بفضل الله منها، أكثر من أيّ شيء آخر. متأثّرا بثقافة المجتمع والجيل ”المتميّع“ الذي تأثّر بدوره بثقافة الغير وما تنشره المجلّـات وتروّجه الأفلام من خلاعة ومجون و صوّر فاتنة… فافتتن الجميع بالصوّر والأشكال والمظاهر الخارجيّة، وهذا على حساب القيّم والجوهر، وتميّع الجيل، وأدّى ذلك إلى ظهور الآفات والانحرافات.
كان هذا من بين الأسباب التي جعلتني أنصرف إلى غايات غير التي كان من الأولى الاهتمام بها، و أهملتُ واجبي المدرسي في تلك السنة. عام (1983): السنة الاستثنائيّة التي تم خلالها إنشاء قسم خاص لبعض التلاميذ الذين توفّرت فيهم بعض الشروط كالمعدّل وشرط السن، وكانت آخر فرصة بالنسبة لمن بقي لديه بعض الطموح لنيل شهادة البكالوريا. لكن ليس لأمثالي الذين لا يبذلون أدنى الجهد من أجل نيلها، ومع ذلك تجدهم متفائلين، التفاؤل الكاذب.
وتمرّ الأيّام ويتم فرز النتائج، ولا ذكر للعبد الضّائع بين أقرانه؛ النّجباء الفائزين. ومع ذلك بقيتُ أمنّي نفسي ”المريضة“ بقائمة وهميّة ولعلّ هناك أخرى تم إغفالها – ههههه – يا للسخريّة؛ أكبر مرض هو أن يمنّي الإنسان نفسه بالأوهام. الذين جدّوا وجدوا ما زرعوا، وأمّا العبد الضّائع فلم يزرع سوى الأوهام؛ والجزاء من جنس العمل.
ما حزبني وآلمني كثيرا، ليس تضييعي فرصة ثالثة، والطموح الذي ظلّ يراودني خلال كل تلك الأعوام التي قضيتها؛ بحرّها وقرّها، وحلوها ومرّها، أقطع المسافات ذهبا وأيّابا بين مداوروش و الثانوية. ولكن ما حزّ في نفسي هو الخيبة التي أُصيبت بها والدتي المسكينة – رحمها الله وطيّب ثراها وغفر لي ولها – وهي تترقّب النتائج لعلّها تسعد بنجاحي، يحدوها الأمل. ولكنّها المسكينة لم تكن تدري أنّني أخذت العهد على نفسي على تخييب ظنّها وكل رجائها في كل مرّة، بقلّة وعيي، و نزقي وطيشي، والعبث الذي ظلّ يلازمني خلال كل تلك الأعوام بأيّامها ولياليها وهي تنتظرني.



إرسال التعليق