تعاليق حرةتقاريرتقارير وأخباررأي

أنا شاوي وأصلي شاوي.. لكن!


  • رشيد مصباح(فوزي)
    الجزائر
    *
    تكلمتُ الشّاوية بطلاقة وأنا برعم صغير، ثم شاءت الظروف والأقدار أن نرحل إلى مدينة عنابة بسبب ظروف والدي المهنية، وعند عودتنا إلى مسقط الرّاس، وجدتُ نفسي أتكلّم بلكنة ”عنّابية“ الدّارجة. وحين بلغتُ السادسة دخلتُ المدرسة والتبستِ الأمور عليّ كثيرا، فكنتُ أخلط بين اللّهجتين، فغدوتُ محل سخرية من طرف زملائي في المدرسة وخارجها.
    اليوم أنا على أعتاب الشيخوخة قد تجاوزتُ ستة عقود بأعوام، وأصبحتُ أحنّ إلى الشّاوية وأرغب في تكلّمها كما كنتُ أتكلّم بها وأنا طفل صغير ، كما أحن إلى همسة أُمّي وبسمة أبي، فهي – الشّاويّة – بالنسبة لي الثّدي الذي تضلّعتُ منه حتى اترويتُ.. لكن؛ ليس على حساب الّلغة العربية التي هي لغة الوحي، والتي بفضلها تمكّنتُ من قراءة القرآن وفهم بعض معانيه. لقد شرّفنا الله بهذه اللّغة التي وصلت إلينا بفضل ثلّة من الرّجال نذروا أنفسهم لخدمة الإسلام؛ وفارقوا أوطانهم وهجروا ذويهم وأهاليهم، و خاطروا بأرواحهم لكي يبلّغونا رسالة ربّهم .
    اليوم، وبفضل الله، ثم بفضل الرّجال الفاتحين، لم نعد في حاجة إلى من يترجم لنا القرآن إلى لغة لا تؤدّي نفس المعنى الحقيقي: (Traduttore, traditore) بمعنى: ”كل ترجمان خائن“ -كما يقول المثل اللاّتيني-. وتبقى الغاية من الطعن في مدى نزاهة أولئك العرب الذين قدموا إلى الجزائر فاتحين، ومهما كانت طبيعة نواياهم التي يحرص بعض المغرضين على القول بأنّهم ”حثالة من الرعاة الحفاة“، ونعتهم بـ”شرذمة من الهمج الغزاة“ الوافدين من شبه الجزيرة العربية، فإن هذا لا ينقص من قدر الرّسالة وقيمة التضحية والجهد المبذول.
    هذا التعصّب العجيب وهذه المغالاة في نزعة الانتماء إلى الأمازيغية، لا يوجد ما يبرّره سوى الكره الشّديد الذي يكنّه أعداء الملّة للإسلام والمسلمين. وإذا ما أردتم معرفة السبب، والجهة التي من وراء كل هذه الحملات المغرضة، فابحثوا عن المستفيد.
    إذا كان ذنب الذين قدموا إلينا من بعيد، تاركين خلفهم أوطانهم وكل غالٍ ونفيس ليبلّغوا الأمانةاالمتمثّلة في الرسالة المحمّديّة، فذنب اللّغة العربية كونها ”لغة الوحي“ والقرآن العظيم، ولا أعلم لها من ذنب غيره. فلمَ كل هذا التحامل على العرب واللّغة الّعربية؟
    المغزى من هذا التطرّف وهذا الغلو، وهذه النزعة الطائفية.. العنصرية.. والقبلية المقيتة.. هو محاولة التفرقة بين الجزائريين الذي هو أسلوب فرنسا ”الغازية الحقيقيّة“ التي حاولت بكل ما استطاعت القضاء على الهوية الجزائرية؛ بإزالة القرآن من وجودنا واقتلاع اللّغة العربيّة من ألسنتنا: كما ورد ذلك في خطاب الحاكم الفرنسي في الجزائر في سنة 1930 بمناسبة مرور مائة سنة على احتلال الجزائر، حين قال بالحرف الواحد: “إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية.. فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللّسان العربي من ألسنتهم.”
    [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ].
    ((خيارُكم في الجاهليةِ ، خيارُكم في الإسلامِ إذا فقُهوا)).
    الاسلام يجمعنا والرّاية توحّدنا وصدق الله وصدق رسوله الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى