مداوروش تحت المجهر

رشيد فوزي (مصباح)
**
في الحقيقة قمتُ بإغلاق صفحتي على الفايسبوك وانتهى، وقرّرتُ إن لا أعود إليه مجدّدا، وكما هو الشأن بالنسبة لهذه المواقع الافتراضية فإن جملة من الأسئلة تم وضعها وإخضاعها لتأكيد الغلق من ناحية وفهم أسبابه، واخترت الإجابة على واحد من بين هذه الأسئلة وفي اعتقادي انّها الأقرب إلى الواقع وهو: إنّني لم أجنِ أيّة فائدة من هذا التواصل.
والفايسبوك، كغيره من وسائل التواصل الافتراضية، تم استغلاله من طرف أشخاص ليس هدفهم التواصل؛ بمعنى التواصل الذي يخدم الأهداف السّامية النّبيلة التي من شأنها أن ترفع المستوى الثقافي والأجتماعي الأخلاقي المتدنّي، وهؤلاء الأشخاص منهم من كان فهمه عقيما، وهذا مبلغه من العلم. ومنهم من هو مدفوع من طرف جهات معيّنة و لخدمة أغراض معروفة.
ولكن لم أستطع الاستمرار في هذا النهج والعزوف عن التواصل، كما إنّني لم أقدر على السكوت عن الباطل، وهذا طبع مشين فيّ ربما. ولو كان باستطاعتي فعل ذلك لبلغتُ بالصمت والسكوت عن المنكر أعلى المراتب؛ من التي وصل إليها بعض الأصدقاء الذين اتّخذوا من الصمت وسيلة لتحقيق مآربهم.
التقيتُ هذه الصبيحة بشخصية صاحبها معروف بمواقفه الجريئة وقدرته على التنديد وإصراره على إيصال كلامه حتّى وهو في المسجد، وحتى في يوم الجمعة والإمام يتهيّأ لإلقاء الخطبة. ليس بيني وبين هذا الشخص صداقة حميميّة ولا تربطني به صلة قرابة. سوى إنّه من بين الأشخاص القلائل الذين يدافعون عن الحق ولديهم غيرة على مداوروش.
مداوروش هذه البلدة التي لا تختلف كثيرا عن غيرها من المدن الصغيرة والبلدات الجزائرية، عرفتْ نهضة في مرحلة من المراحل استفادت خلالها ببعض المشاريع الهامّة، وحظيت بعناية خاصّة من طرف السّلطات المحليّة في وقت ما، لتتراجع وتيرة هذه التنمية بمجرّد ذهاب بعض الأسماء المؤثّرة.
الحب الذي يكنّه بعض الأشخاص لمدينتهم مداوروش يفوق كل التصوّر، وهذا من الوفاء ربما و صدق الإيمان، جعلهم يتساءلون عن سبب هذا التراجع في التنمية؛ بل ويثيرون مسائل عديدة منها الفوضى التي باتت تغزو الأرصفة، وغياب النظافة في كل الأحياء تقريبا.
ولا يقتصر الأمر على مداوروش وحدها فحسب؛ مداوروش ليست بدعا من بقية البلدان الجزائرية الأخرى التي تعرف حالة تدهور عمراني واجتماعي، بل إنّه يكاد يكون واقعا معمّما يعكس حالة التسيّب التي تعرفها بلديات الوطن.
الطبيب النّاجح هو الذي يدرس الأسباب ولا يكتفي بالأعراض. وبحكم تجربتي المتواضعة في البلدية، فإنّ لي مجموعة من الملاحظات حول ا لأسباب الحقيقية التي هي من وراء هذا التدهور العمراني والاجتماعي، والذي ألخّصه في الآتي:
أولا: من بين أهم الأسباب التي شجّعت على ظهور بعض الظواهر السلبية،مثل انتشار الفوضى وغياب شروط النظافة… هو غياب عامل الردع.
ثانيا: إن من يقوم بالردع هو البلدية كهيئة عمومية تمثّل الدولة في القاعدة. لكن البلدية المجسّدة في المجالس الشعبية وعلى رأسها الهيئة التنفيذية المتمثّلة في الرّئيس ونوّابه، لايتمتّعون بصلاحيات كاملة تمكّنهم من القيام بالمهام المنوطة بهم. وفاقد الشيء لا يعطيه.
وبهذه المناسبة؛ نحن لا نعرف سبب هذه الإزدواجية في الخطاب الرسمي الذي يحرّض هذه المجالس على العمل ولا يمنحها صلاحيات ولو على الورق؛ رئيس البلدية الذي هو الآمر بالصرف ضابط الشرطة القضائية… ظاهريا، وكما في القانون البلدي. لكنه في الممارسة يخضع في جميع حركاته وتصرّفاته لرقابة بعض الأعوان التابعين لقطاعات أخرى؛ مثل قابض الضّرائب ورئيس الدائرة وأعوان الدولة الآخرين و المصالح التقنية… ممن لديهم صلاحيات تفوق صلاحياته.
وقد أثار هذا الخطاب الرسمي المزدوج السّخرية، وحين يتكلّم أصحابه عن المهام المسندة لرؤساء المجالس الشعبية، وعن مدى الصلاحيات الواسعة الممنوحة لهم.. وهو خطاب يهدف أصحابه ”المخمليّين“ إلى تشويه سمعة هذه المجالس لدى المواطنين.
وما ساعد على ذلك هو غياب الوعي والنّضج لدى المواطنين. وبالتالي فّإن المواطن أصبح عبئا على الدولة بالتّواطؤ والتّماهي مع هذه الفوضى المقنّنة. وحتى أنّه أصبح ”الأمر الواقع“ وصار ينظر باستهجان كل من يحاول الإصلاح أو ينكر ولو بقلبه وذلك أضعف الأيمان.
بالإضافة إلى هذه الانتهاكات التي تشهده الأرصفة وهذا الانتشار للأتربة الذي مصدره بعض البنايات التي لاتحترم المواصفات التقنية والصحيّة، ولا حتى الشروط القانونية التي تنص على حماية المواطنين، هناك ملاحظات أخرى تتعلّق بسوء اختيار الأرضية والمكان.
لم نعد نفهم ما دور مكاتب الدراسات في ظلّ هذا الاختيار السيّء للأراضي والأمكنة. ومثلنا في ذلك مدرسة الدرك الوطني التي تم تشييدها في مكان لا يليق بسمعة المدرسة ولا بتلاميذها، ولا يخدم التوسّع العمراني ببلدية مداوروش.
والمثل الآخر: المكان الذي اختير ليكون مقبرة الشهداء وسط المدينة؛ وسط الضّجيج والفوضى وليكون مكانا مفضّلا لرمي الفضلات والقاذورات ومقصدا لبعض الأشخاص والكلاب المتشرّدة لقضاء بعض حاجياتهم.
هذا، لأنّه وكما قال الشاعر قديما ”رأيتُ المنايا خبط عشواء“، وكذلك الأمر بالنسبة للأختيار العشوائي الذي تم على أسس لا علاقة لها بالشروط التقنية والقانونية، وكما هو الشأن بالنسبة لبعض المشاريع الهامّة التي تم تشييدها بحي (عاشوري علي) أو ما يعرف بالذّاتي؛
وهو الحي الذي لايليق به سوى الهدم لأنّه لا تستجيب لأدنى المعايير التقنية والشروط الصحيّة.
ومع ذلك هناك من لا يزال يخاطبنا بلغة قديمة عافها الزّمن. ومع هذا هناك من لا يزال يريد إقناعنا بأنّه يستطيع تغيير الوضع ”التغيير الإيجابيّ“ فور انتخابه. وللأسف فإن هؤلاء لا يعرفون مدى خطورة المسئولية وأنها يوم القيامة خزي وندامة.



إرسال التعليق