شركات أوسع نفوذاً من بلدان

كاظم فنجان الحمامي

قد يظن المرء ان دول العالم تقتصر إدارتها فقط على حكومات وبرلمانات ومجالس محلية تهتم بشؤونها الداخلية والخارجية. وربما يعتقد البعض ان هيئة الأمم المتحدة ومن خلفها مجلس الأمن لها علاقة غير مباشرة في ضبط إيقاع العلاقات الدولية. وأحيانا يتحدث المولعون بالغوامض عن حكومة العالم الخفية وعلاقتها بالمنظمات الظلامية والحركات السرية حول العالم، ومدى تحكمها بسياسة بعض البلدان. .
لكننا عندما نستطلع الثوابت الواقعية الملموسة. نجد ان المنظمات الدولية (مثل: منظمة العمل الدولية ILO، ومنظمة الصحة الدولية WHO، والمنظمة البحرية العالمية IMO، وغيرها من المنظمات والاتحادات) تتحكم بنشاطات الشعوب والأمم في المجالات كافة، وسنخصص لها مقالة مستقلة في قادم الأيام. ونجد أيضاً أن الشركات العملاقة هي التي صارت تتحكم بمأكلنا ومشربنا وملبسنا وعلاجنا ومستلزماتنا المنزلية والاستهلاكية، وتتحكم بتنقلاتنا براً وبحراً وجواً، وتشرف إشرافاً مباشراً على الزراعة والصناعية والتسويق وسلاسل التوريد في القارات السبع. وتتمتع بنفوذ سياسي ومالي وعسكري واسع الانتشار وعابر للحدود. ولهذه الشركات المستحوذة على معظم الكنوز والمناجم والثروات، والمهيمنة على الأصول المالية في البنوك تأثير كبير على تفاصيل حياتنا اليومية بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن حيث ندري أو لا ندري. .
من هذه الشركات: نذكر شركة بلاك روك (BlackRock)، التي لم يتجاوز عمرها 35 عاماً. لكنها حصلت على لقب المؤسسة المالية الأكثر هيمنة ونفوذاً في العالم، إذ بلغت ثروتها حوالي 12 تريليون دولار بحلول عام 2023. أي ان ثروتها وحدها تزيد عشرات المرات على ميزانيات البلدان العربية (النفطية وغير النفطية). .
وهنالك 10 شركات تتحكم بنسبة كبيرة جداً من العلامات التجارية للأطعمة والمشروبات المتوفرة في أسواق العالم، ما يعني أن الكثير من أموالنا تذهب في نهاية المطاف إلى جيوب تلك الشركات. فالعالم كله يعيش في عصر الشركات العابرة للحدود. ومنها على سبيل المثال لا الحصر آبل وإيكسون موبيل ويونيليفر وإتش إس بي سي ودي إتش إل وفيزا). .
وبالتالي فأن القوة العظمى لم تعد محصورة في دولة بعينها. فبعض الشركات يزيد دخلها على دخل ثلثي دول العالم. ولها اساليبها الفاعلة في التحكم بسياسات الكثير من البلدان التي قد تبدو لك مستقلة، لكنها في حقيقة الأمر بمستوى فرع صغير من فروع تلك الشركات المهيمنة على الإنتاج والتسويق، والبيع والشراء، والقروض والتسديد حيثما تكمن مصلحتها. . .
خذ على سبيل المثال دولة (كوستاريكا). الدولة الفقيرة المعروفة بزراعة الموز. والتي منحت الإذن عام 1997 لشركة انتل الأمريكية (وهي أكبر شركة لإنتاج شرائح الكمبيوتر) لافتتاح مصنع لها هناك. بيد أن أعمال تلك الشركة توسعت اليوم حتى أصبحت تتحكم بنحو 37% من صادرات كوستاريكا، ورفعت ناتجها القومي بنسبة 8% في العام. وبالتالي فان شركة انتل في طريقها لابتلاع الجزيرة وحكومتها. .
وسوف نكمل حديثنا عن هذا النوع من الهيمنة الجديدة في مقالات لاحقة. .

إرسال التعليق