قصة ”الحب اللّي كان“ بين وردة وبليغ حمدي
حين يتحوّل الجرح إلى أغنية:
*
ر. مصباح (فوزي)
لا بدّ أن وراء كلّ أغنية عظيمة حكاية خفيّة، ووراء كلّ لحن صادق قلبا عرف الفرح كما عرف الانكسار. فالفنّ الحقيقي لا يولد من الفراغ، بل كثيرا ما يخرج من رحم التجربة الإنسانية، من الحب حين يزهر، ومن الألم حين ينطفئ، ومن الذكرى حين تعود بعد غياب.
ومن الأغاني التي بقيت حيّة في وجدان الناس أغنية ”الحب اللّي كان“ تلك الأغنية التي لم تكن مجرّد كلمات عتاب أو لحن حزين، ارتبطت في ذاكرة كثيرين بقصّة إنسانيّة جمعت بين اثنين من كبار الفن العربي: بين المطربة الكبيرة (وردة الجزائرية) والملحّن العبقري (بليغ حمدي).
لقد جمع بين وردة وبليغ حبّ كبير، كما جمعتهما شراكة فنية أثمرت أعمالًـا خالدة لا تزال تُردّد إلى اليوم. كانا ثنائيّا استثنائيّا، يلتقي فيه الصوت السّاحر بالموهبة اللحنيّة الفذّة، حتى بدا وكأن الفنّ نفسه وجد صورته الكاملة في اتحادهما. غير أن قصص الحب، مهما عظمت، لا تسير دائما كما تريد الأقدار، فقد وقع بينهما الانفصال، وبقي لكلّ منهما جرحه الصّامت.
وتروي الحكاية المتداولة أن أحد الصحفيّين سأل وردة بعد الانفصال عن بليغ، فجاء ردّها ببرود قاسٍ: ”مين بليغ؟“. قد تكون العبارة لحظة غضب، أو محاولة لإخفاء الألم، أو ردّا عابرا لم يُقصد به كل ما فُهم منه، لكن وقعها في نفس بليغ كان شديدا. فحين تأتي القسوة ممّن أحببنا، يصبح صداها أعمق من أيّ كلمة أخرى.
قيل إن بليغ تأثر كثيرا بذلك الرد، وتدهورت حالته النفسية، ودخل في حالة من الحزن والاكتئاب. لكنه، كحال الفنانين الكبار، لم يُجب بالكلام، بل أجاب بما يعرفه جيّدا: ”اللحن“. ومن قلب الوجع خرجت أغنية ”الحب اللّي كان“، كلمات تنطّق بالخذلان، ولحن يفيض حنينا وعتابا وانكسارا.
ولم تُغنِّ الأغنية وردة، بل أدّتها بصوتها الشّجي المطربة السّورية (ميّادة الحنّاوي)، فجاء الأداء كأنّه امتداد لذلك الجرح القديم، وكأن صوت ميّادة حمل الرسالة إلى الناس بكل ما فيها من صدق وشجن.
وتضيف بعض الرّوايات أن وردة، حين سمعت الأغنية وما حملته من ألم وعتاب، تأثرّت بشدّة حتى أُصيبت بوعكة صحية خطيرة استدعت تدخّلًـا عاجلًـا. وقد تبقى بعض هذه التفاصيل بين الحقيقة والمبالغة، كما يحدث كثيرا في القصص التي يحيكها الناس حول الفنّانين، لكن المؤكّد أن العلاقة بينهما لم تكن عابرة، وأن أثرها كان عميقا في الفن وفي النفس معا.
ولعل أجمل ما في هذه القصّة أنها تذكّرنا بأن الفن ليس ترفا، بل سجل للمشاعر البشرية. فهناك من يكتب رسائل، وهناك من يلوذ بالصّمت، وهناك من يحوّل جرحه إلى أغنية تبقى بعده بسنوات طويلة.
إن أغنية ”الحب اللي كان“ ليست حكاية حب بين رجل وامرأة فحسب، بل حكاية الزمن حين يسلبنا ما أحببنا، وحكاية القلب حين يبحث عن صوته وسط الخسارة، وحكاية الذكرى حين ترفض أن تموت.
وهكذا يبقى الحب، مهما انكسر، قادرا على أن يخلّف وراءه شيئا جميلًـا… وربما كان ذلك الشيء أغنية خالدة.



إرسال التعليق