نحن امريكا ولكن خلسةً
حسام عبد الحسين
في واقع مجتمع المنطقة الراهن، تبدو الصورة واضحة حيث الغضب الشعبي من سياسات
الادارة الامريكية، ودعمها العسكري والدبلوماسي لاسرائيل، ورفض وصايتها على سيادة
الدول. لكن خلف ضجيج الشعارات السياسية الرافضة، ثمة هدوء صامت يخترق البيوت
والعقول بلا استئذان. إنها مفارقة حيث نعادي البيت الأبيض كمؤسسة، لكننا نتبنى بكلتا يدينا
نموذج الثقافة التي يصدرها في علاقاتنا وتعليمنا واحلامنا اليومية.
هذا ليس مجرد اعجاب عابر بفيلم سينمائي او وجبة سريعة، بل عملية اعادة انتاج للوعي تتم
تحت الجلد، حيث نرفض القنابل ونستورد أسس صناعة القنبلة.
لننظر الى اكثر الاماكن قداسة في بناء المجتمعات، المدرسة والجامعة. حيث المنهج الخفي
يعمل بصمت. بنية التعليم الحديثة القائمة على محتوى المناهج والتخصص الضيق، الدرجات
التنافسية، وفكرة “الواجب المنزلي” الفردي، وتقديس “التفوق” على حساب التكامل، احترام
السلطة. كلها منتج ثقافي للادارة الامريكية بالاساس. عندما يزرع النظام التعليمي مبدأ التنافس
كقيمة عليا مطلقة، فهو يقتلع من جذورنا نبتة الجماعة والتكافل ليحل محلها شتلة الفردانية
المدمرة. نحن ندرب طلابنا ليكونوا موظفين “ناجحين” في هياكل اقتصادية لخدمة أي نظام
حاكم، لا مفكرين أحرارا في سياق حضارتهم الخاصة او الانسانية.
إن النقد الشائع لهوليوود يركز على المشاهد الخادشة للحياء او الدعاية السياسية المكشوفة
للبنتاغون. لكن الخطر الحقيقي هو إنه تطبيع النمط الحياتي. المشاهد لا يريد فقط شجاعة “توم
كروز”، بل يريد المطبخ المفتوح على الصالة الذي يراه في كل مسلسل، متناسيا خصوصية
مجتمعه وهندسة بيوته الاجتماعية. العلاقات الإنسانية في وعينا الجمعي تتحول تدريجيا من
دفء “الصحبة والجيرة” الى مصلحة الصداقة الاستهلاكية. حتى مفهومنا للوقت تغير،
أصبحنا نعطي قيمة كبرى للالتزام بالمواعيد وإنجاز المهام بسرعة، وصرنا نعتبر الجلوس
الطويل مع الناس لتقديم الدعم النفسي والمواساة مجرد “اضاعة وقت”.
حيث معادلة السعادة وحشية، بأن قيمتك = انجازك الفردي المادي.
اقرأ في كتب “تطوير الذات” المترجمة التي تملأ الأرصفة، ستجد رسالة واحدة موجهة للقارئ
في الشرق الاوسط المثقل بالتاريخ والاستعمار والفقر الموروث، “فشلك ذنبك وحدك، لا علاقة
للظروف السياسية والاجتماعية او الجغرافيا بالأمر”. هذه أنانية في المفهوم تجعل من
التضامن الاجتماعي عبئا، ومن مطالبة المظلوم بحقه تذمرا.
إذن، لماذا نقع في هذا الفخ بإرادتنا؟ لان امريكا ليست سوى المقر المركزي لطبقة رأسمالية لا
يهمها ان كنت عراقيا او خليجيا او فارسيا او أمريكيا او شيعيا او سنيا بقدر ما يهمها تحويلك
الى مستهلك وعامل منتج في السوق العالمية.
الطبقة الحاكمة في المنطقة فرعا منها، وهي التي تستورد طريقة عيشنا بشكلا كامل، لتمرير
علاقات الاستغلال الاقتصادية تحت عباءة “التحديث والتطوير”. وبالتالي؛ تحولت العلاقات
الانسانية الى سلع.
إن الخطر الأعظم ليس في متابعة الفيلم الأميركي، بل في ان نتحول ببطء إلى ممثلين في
سيناريو لم نكتبه نحن. سيناريو نلهث فيه خلف سراب “الفردانية الناجحة”، لنجد أنفسنا في
نهاية المطاف وقد فقدنا دفء “الجماعة”. المعركة اليوم ليست فقط في رفض سياسة
واشنطن والصين وروسيا، بل في وعينا بأنماط حياتنا اليومية، ومقاومة المطبخ المفتوح
وحدها لا تكفي. المطلوب هو مقاومة الطبقة التي تجبرنا على العيش في مطابخ ضيقة أصلاً
بينما تبيعنا حلم المطبخ المفتوح.



إرسال التعليق