أين العرب من التحولات في النظام الدولي؟

إبراهيم ابراش

أين العرب من التحولات في النظام الدولي؟

تشير تصريحات ترامب منذ بداية ولايته الأولى المتعارضة والصدامية، حتى مع
حلفائه في أوروبا، إلى سياسات شكلت تهديداً لوحدة المعسكر الغربي،
وخصوصاً عندما رفع شعار “أمريكا أولاً” وباشر باتخاذ إجراءات اقتصادية ضد
حلفائه الأوروبيين. يضاف إلى ذلك تصريحاته حول جزيرة جرينلاند التابعة
للدنمارك (العضو في حلف الأطلسي) وتهديده بضم كندا العضو أيضا في الحلف،
والتدخلات في ملفات شائكة، واتخاذ قرارات منفردة دون تنسيق مع الحلفاء
الأوروبيين، وصولاً إلى التدخل في فنزويلا، والحرب على إيران التي أضرت
بالاقتصاد الأوروبي والعالمي وهددت السلام الدولي.

وكان آخر هذه المواقف تهديد ترامب بالانسحاب من حلف الأطلسي “الناتو”،
والتصريحات المسيئة لدول أوروبا وقادتها، وما يقابلها من ردود فعل
أوروبية ومواقف لكتاب وصحفيين من الطرفين تعكس مؤشرات عداء وانعدام ثقة
غير مسبوقة، وصلت أحياناً إلى إساءات شخصية للزعماء كما جرى بين ترامب
ورؤساء أسبانيا وفرنسا.

كل ذلك يؤشر على احتمال انهيار المعسكر الغربي وحلف “الناتو”، على غرار
انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي و”حلف وارسو” في بداية
تسعينيات القرن العشرين؛ وهو الانهيار الذي أدى لنشوء حقبة جديدة ونظام
دولي جديد أنهى النظام العالمي الذي وضعت أسسه اتفاقية “يالطا” في فبراير

  1. وكانت أبرز ملامح ذلك النظام تماسك ووحدة دول حلف الأطلسي “الناتو”
    والاتحاد الأوروبي، والقبول بقيادة واشنطن لهذا الحلف، والتنسيق الكامل
    في المواقف بين أوروبا وأمريكا في النزاعات الدولية كافة.

إن هذا المشهد يضعنا أمام احتمال تفكك المعسكر الغربي، مما يجعلنا نواجه
نظاماً دولياً غير مستقر ومتعدد الأقطاب، أو حتى حالة من “اللانظام”
الدولي، خاصة بعد انتهاك واشنطن لسيادة أكثر من دولة وحتى تهديده بمحو
دولة وحضارة أيرأن من الخارطة الدولية!، وتهميش وتجاوز الأمم المتحدة
والشرعية الدولية وغيابهما الكلي عن الصراعات الدولية الحالية.

والسؤال الذي يفرض نفسه: أين العرب من هذه التحولات في النظام الدولي؟

للأسف، لم يكن للعرب أي تأثير أو دور في هذه التحولات -كان الفاعلون فيها
الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وأوروبا ،وإقليميا إسرائيل
وتركيا وأيران- كما لم يستفيدوا في أي مرحلة؛ لا في زمن النظام ثنائي
القطبية، ولا في مرحلة النظام الدولي الجديد الذي تلاه، ولا يبدو أنهم
سيؤثرون في الوضع الحالي أو يستفيدون منه.

فخلال حقبة الثنائية القطبية، وبينما كان الحديث يدور عن المعسكر
الاشتراكي كحليف استراتيجي أو صديق للعرب، وقعت هزيمة 1967 (النكسة)، وتم
إخراج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن في أحداث “أيلول الأسود” 1970،
واندلعت الحرب الأهلية في لبنان منتصف السبعينيات، وحرب أكتوبر 73 وتطبيع
العلاقات بين مصر وإسرائيل وما تبعها من انقسام في الساحة العربية، ثم
غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وحرب الخليج الأولى 1990، وغيرها. ومع نشوء
النظام الدولي الجديد تم تدشين مرحلة جديدة كانت الهيمنة الأمريكية
والإسرائيلية أكثر حصورا بدأت بعقد مؤتمر مدريد للسلام 1991 برعاية
أمريكية ،واتفاقية أوسلو (سلام) مع الفلسطينيين 1993 ووادي عربه مع
الأردن 1994 ، وجاء احتلال العراق عام 2003، وفوضى ما سمي بـ “الربيع
العربي”، وتفكك وانهيار دول عربية، تلتها الموجة الثانية من التطبيع مع
إسرائيل (الاتفاقيات الإبراهيمية)، والحرب المنسية في الصومال، وحربا
اليمن والسودان.

كما شهدت المنطقة التدخل التركي والإيراني في الشؤون الداخلية العربية،
واستباحة سوريا واحتلال أجزاء منها من قبل تركيا وإسرائيل وأمريكا،
بالإضافة إلى استمرار السياسات العدوانية الإسرائيلية في فلسطين، وتوسيع
مشاريع الاستيطان، واستمرار احتلال الجولان السوري، وصولاً إلى حرب
الإبادة على الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة. والآن، ومع التوتر
المتصاعد مع إيران واستمرار استهداف لبنان، تزداد الحالة العربية سوءاً،
وقد تؤول الأمور إلى مزيد من التفكك والانهيار، في ظل احتمالات توافق
المصالح بين واشنطن وتل أبيب وطهران وتقاسم النفوذ في المنطقة وخصوصا في
الخليج العربي.

إرسال التعليق