ما بين “مؤتمر حرية إيران” ومؤتمر حرية العراق!
ما بين “مؤتمر حرية إيران” ومؤتمر حرية العراق!
ما بين مؤتمر ومؤتمر!
(حول تأسيس “مؤتمر حرية إيران”)
سمير عادل
قبل أيام، عقد تجمع من مختلف الجماعات الموالية للحرب على إيران، وبدعم من منظمات مؤيدة لإسرائيل مثل (ايباك) وأمريكية*، اجتماعًا في لندن لتشكيل ما يُسمّى بـ”مؤتمر حرية إيران”. ويضم هذا التجمع خليطًا من اليمين القومي الشوفيني بمختلف تلاوينه السياسية واليسار الشعبوي، يجمعهم هدف واحد هو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بأي ثمن. إنه السيناريو العراقي المظلم الذي يسعى اليمين الصهيوني في إسرائيل والولايات المتحدة إلى إعداده، ولكن بشكل أكثر مأساوية وقتامة في إيران.
الفارق بين السيناريوهين أنه في الحالة العراقية، وتحديدًا في مؤتمر لندن ٢٠٠٢ عشية غزو واحتلال العراق، لم يوجد حزب قام بالمزايدة على الاشتراكية والشيوعية، بينما نجد اليوم في الحالة الإيرانية فيها من زايد باسم الاشتراكية و”الشيوعية العمالية”، وباسم أحد أبرز الماركسيين إخلاصًا لفكر ماركس ولينين، والدفاع عن المصالح المستقلة للطبقة العاملة، وهو القائد الراحل للشيوعية العمالية منصور حكمت. والمقصود هنا هو الحزب الشيوعي العمالي الإيراني بقيادة حميد تقوائي.
حزب لا ربط له بمنصور حكمت ولا ماركس ولا الطبقة العاملة!
في الحقيقة، لم يكن يهمنا الكتابة عن هذا الموضوع، لأن هذا الحزب الشيوعي العمالي الإيراني فقد بوصلته منذ زمن بعيد، وضلّ الطريق في كل منعطف سياسي، سواء في إيران أو في المنطقة. إلى الحد الذي بات فيه يرى أي صراع عابر-حتى لو شجار بين اثنين في الشارع- وكأنه ثورة، بغض النظر عن أفقه أو طبيعته. فقد هلّل للتظاهرات التي قادها إصلاحيّو الجمهورية الإسلامية ضد أحمدي نجاد حول الانتخابات وشرعيتها في عام ٢٠٠٩، واعتبرها ثورة، ثم صوّر انقلاب الجيش في مصر على الإخوان المسلمين في عام ٢٠٠١٣ على إنها امتداداً للثورة وليس إنقلاب جناح من قوى الثورة المضادة على جناح آخر، كما تبنّى المنهج ذاته تجاه الأحداث في سوريا بعد ما سُمّي بالربيع العربي، واعتبر ما كان يجرى في سوريا هي ثورة. و بصورة مناقضة لكل موضوعات منصور حكمت ربط بقاء قضية فلسطين بكل مصائبها دون حل بوجود حماس واسرائيل، أي يحملهم بالدرجة ذاتها مسؤولية بقاء قضية فلسطين، على النقيض من موقف الشيوعية العمالية التي تعزي عدم حل القضية الفلسطينية هو اسرائيل نفسها واحتلالها لفلسطين، وان أمثال حماس والجهاد إلا نتيجة عرضية لوجود الاحتلال. وانضم إلى اليمين الإسرائيلي بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 بحجة “اضعاف محور المقاومة، وبالنتيجة، إضعاف الجمهورية الإسلامية وسقوط نظامها”، وحمّل حماس مسؤولية ما جرى، إذ لم يرَ أن الأرضية التي تأسست عليها حماس هي نتاج 75 عامًا من القتل والتمييز والاحتلال والتهجير والاستيطان والاستحواذ على أراضي الفلسطينيين. ولم يدرك أن إنهاء الظلم القومي الواقع على الفلسطينيين سيخلق أنسب أرضية لزوال مبررات وجود حماس وحزب الله وسائر الجماعات الإسلامية. و تخندق مع حلف الناتو في الحرب الروسية-الأوكرانية، متناسيا ان ما يجري هو حرب بين أقطاب الامبريالية لاعادة تقسيم العالم، بين القطب الروسي والقطب الامريكي-الاوربي. وهكذا كان ينحدر يومًا بعد آخر نحو اليمين بسرعة كبيرة، حتى لم يبقَ من الحزب سوى الاسم الذي ورثه عن منصور حكمت.
لقد كان واضحاً منذ أكثر من عقدين إنه لا يتعدى حزباً قوميا، كل فلسفته مناهضة النظام حصراً، حزباً مدنياً وأنتي إسلام. أي أن معاداة الجمهورية الإسلامية وليس النظام الرأسمالي هو محور حركته. لقد كان هذا تشخيصنا في وقتها، إبان الانشقاق الذي فرضوه على الحزب عام 2004. وتؤكد الأحداث الكثيرة ويوماً بعد آخر على صحة تشخيصنا ذاك!
مؤتمران: رايتان، أفقان وهدفان!
وعلى العموم، فإن ما استوقفنا حقًا هو العنوان الذي اجتمعوا تحته: «مؤتمر حرية إيران». وقد أعاد هذا العنوان إلى الذاكرة «مؤتمر حرية العراق»، الذي كنت يومًا في قيادته ومن مؤسسه مع رفاق آخرين. ففي جولة في وقتها لفضح جرائم الاحتلال الأمريكي في الداخل الأمريكي التي كانت تجري تحت يافطة “جلب الديمقراطية للشعب العراقي”، نظمتها منظمة «أمريكن فريندز كوميتي» American friends service committee في 19 مدينة أمريكية في القسم الشرقي من الولايات المتحدة في أيار/مايو 2006، صادفنا أحد مهندسي احتلال العراق في مناسبة «آيز وايد أوبن» Eyes open wide في واشنطن، أمام مبنى الكونغرس الأمريكي، حيث نُظّم معرض لآلاف البساطيل التي تمثل الجنود الأمريكيين الذين قُتلوا في العراق، إلى جانب تلة من أحذية أطفال العراق الذين كانوا ضحايا الغزو. وكان ذلك الشخص هو ريتشارد بيرل، الذي كان يترأس مجلس سياسات الدفاع في وزارة الدفاع الأمريكية، كما كان مستشارًا لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد في إدارة جورج دبليو بوش الابن. حينها، قادني منظمو الفعالية للقاء بيرل، وتجمهر عدد كبير من الصحفيين والقنوات حولنا، وعرّفني أحدهم بأني رئيس مؤتمر حرية العراق. إلا أن بيرل التبس عليه الأمر، فظن أنني من مؤيدي “عملية تحرير العراق”، فرحّب بي وسألني متباهيا وكأنه حقق إنجازا عظيما: “أيهما أفضل، الآن أم في أيام نظام صدام حسين؟”.
أجبته بأن السؤال يجب أن يكون: أيهما أسوأ، الآن أم في عهد صدام حسين؟ ووصفت له ما يجري من جرائم قتل وتهجير وتشريد وتدمير المدنية والبنية التحتية وكل ما هو انساني وتقسيم المجتمع العراقي الى طوائف وأديان وقوميات نتيجة الاحتلال. فسألني سؤالًا آخر ليحرجني، ويتهمني بشكل مباشر: أين كنت في زمن صدام حسين؟ فأجبته: كنت أناضل، مع غيري، ضد نظام صدام حسين لإسقاطه وكنت قابعا في سجونه، حين كان رئيسك رامسفيلد صديقًا له. عندها انسحب من أمام الكاميرات وولّى دون أن يواصل الحوار.
اليوم يُعقد “مؤتمر حرية إيران”، ولكن بأهداف مغرضة تخدم سياسات مدمّرة للولايات المتحدة في إيران والمنطقة. المشاركون فيه هم خليط من القوميين الأحوازيين و الأذربيجانيين والبلوش والكرد، إضافة إلى أنصار النظام الملكي الإيراني السابق. وهم يشبهون إلى حد كبير المعارضة العراقية التي تجمعت في لندن عشية غزو العراق. إنها الجماعات ذاتها التي شكّلت لاحقًا ميليشيات، وجاءت على ظهور دبابات المارينز الأمريكي إلى العراق، لتعبث بأمن وسلامة الجماهير، بينما ترفع شعارات زائفة عن مواجهة “الشيطان الأكبر”.
ان الفارق ما بين “مؤتمر حرية إيران”، ومؤتمر حرية العراق، كان الثاني مشروعًا للحزب الشيوعي العمالي، هدفه مواجهة جرائم الإسلام السياسي والاحتلال الأمريكي، وقد تأسس بمشاركة شخصيات وقادة شيوعيين وعماليين ونسويين وأكاديميين. وكان مظلة لجميع الأحرار في مواجهة الجماعات القومية والدينية. وقد فضح المؤتمر الذرائع الأمريكية لغزو العراق، التي تغيّرت مرارًا، كما تتغير اليوم ذرائعها في صراعها مع إيران. فمرة قيل إن نظام صدام حسين متورط مع القاعدة في هجمات 11 أيلول 2001، ثم استُبدلت هذه الحجة بادعاء امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وبعد أن أثبتت 16 وكالة استخبارات أمريكية بطلان ذلك، جرى الترويج لفكرة “جلب الحرية للشعب العراقي”. وبالفعل، “حرّروا” العراق من شعبه، ونصّبوا قوى الإسلام السياسي على رقاب الجماهير، وسلّموا البلاد عمليًا إلى نفوذ الجمهورية الإسلامية.
وقد مهّدوا الطريق للحرب الأهلية عام 2006، وأسهموا في صعود تنظيم داعش عام 2014، وحوّلوا العراق إلى ساحة مفتوحة لشبكات الاستخبارات الدولية والفساد وتجارة البشر والمخدرات، ونهب ثروات البلاد. واليوم يعيش أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر، بحسب أرقام صندوق النقد الدولي.
إنهم يحاولون تكرار السيناريو نفسه في إيران، والذرائع ذاتها. إن مؤتمر حرية العراق نظّم مئات النشاطات، وعقد مؤتمرات، وساهم في تشكيل قوى عسكرية للدفاع عن أمن الجماهير اثناء الحرب الاهلية ٢٠٠٦-٢٠٠٨ ورفع شعار (لا شيعية.. لا سنية.. الهوية إنسانية) (لا شيعية ولا سنية.. الاحتلال عدو الإنسانية)، واضعًا نصب عينيه أن المسؤول الأول عن هذه المأساة هو الاحتلال الأمريكي. أما “مؤتمر حرية إيران”، فيسعى إلى دفع الطبقة العاملة والجماهير إلى سيناريو مشابه، ومن المؤكد أسوأ بعشرات المرات، لسبب بسيط ان إيران ليست العراق، بلد هائل من 95 مليون نسمة ومساحة كبيرة ومكانة جيو-سياسية مهمة في عالم يشهد إعادة تقسيم العالم من قبل القوى الامبريالية العالمية.
أما الأول وهو “مؤتمر حرية ايران” تأسس على أساس سلب إرادة الجماهير في إيران، كما نشاهد اليوم وتؤيد بشكل مطلق سياسة حرب أمريكا وإسرائيل على ايران. انهم يرفعون كل يوم راسهم الى السماء كي لا تتوقف هذه الحرب الوحشية. لقد دشنت القوات الامريكية والإسرائيلية حربها بقصف مدرسة للبنات وقتل ١٦٠ طفلة ومعلم وعامل حسب المراقبين الأمريكيين. والمفارقة الساخرة أن بعض من يسمّون أنفسهم يسارًا، ممن كانوا يهاجمون مؤتمر حرية العراق ويتهمونه بالتخلي عن الاشتراكية، ورفعوا شعار “الاشتراكية الآن” وليس بعد ساعة او يوم او يومين، واتهمونا بالتخلي عن الاشتراكية هم أنفسهم اليوم، ونقصد الحزب -الشيوعي العمالي الإيراني- وزعيمه يدعي بشكل علني وفاضح ودون أي خجل بأن “جماهير ايران” فرحة بهذه الحرب، وأدهى من ذلك يتحالف هو وحزبه مع قوى قومية شوفينية من كرد وعرب وبلوجستان وأذربيجان ومعادية للإنسانية في مؤتمر حرية ايران، لتأسيس منصات شعبوية موالية للسياسات الأمريكية-الاسرائيلية، بهدف إضفاء الشرعية على جرائم أمريكا وإسرائيل في إيران.
في الحقيقة إن السياسات الأمريكية والإسرائيلية هي التي أخّرت إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران على يد الجماهير والطبقة العاملة. كما فعلت سابقا في دعم الخميني والالتفاف على الثورة الإيرانية ١٩٧٩ وتفريغها من محتواها الثوري، وخلصت الجمهورية الإسلامية عدة مرات من قبضة الطبقة العاملة والجماهير التحررية في ايران، من قبضة انتفاضتها واحتجاجاتها وتظاهراتها، فهؤلاء لا يدركون أن الجماهير التي تعيش تحت رعب الحرب والجوع وانعدام الأمن، تفكر بنفسها، بملجأ لها ولأعزائها، ولا تستطيع أن تصنع ثورة.
ولذلك، فإن الولايات المتحدة لا تريد ثورة جماهيرية تقودها الطبقة العاملة والقوى الساعية للحرية والمساواة لإسقاط النظام في إيران، بل تسعى إلى تنصيب قوى موالية لها، قل مرتزقة، للدفع باهدافها وليس أهداف أحد، أو ترك البلاد تغرق في الفوضى والدمار، كما حدث في العراق. وأخيرا ان التاريخ يعلمنا بأن الامبريالية لا تنجح دائما في فرض سياستها لوحدها إذا لم تجد مطية لها. فهنيئا “لمؤتمر حرية إيران” وشخصياته وقادته، فقد وجدوا ضالتهم، ووجدوا من يستأجرهم، عسى أن يأتي بهم للسلطة ليمارسوا القمع والاستغلال وإدامة عبودية العمل المأجور وإدامة عمر النظام الرأسمالي البشع.



إرسال التعليق