إبراهيم ابراش

خلفيات الحرب على إيران وأبعادها الجيواستراتيجية والسياسية

في محاولةِ فِهم ما يجري من حربٍ بين إيران من جهة، وواشنطن وإسرائيل ومن
يدور في فلكهما من جهة أخرى، علينا العودةُ إلى البدايات. وفي هذا السياق
نتساءل:

لماذا لم تتدخل واشنطن عام 1979 لحماية حليفها الاستراتيجي “العلماني”
شاه إيران محمد رضا بهلوي، ومنع سيطرة جماعة الخميني الإسلامية على
السلطة، وخصوصاً أن الخميني كان مقيماً في فرنسا ويدير الأمور من هناك؟

ولماذا صمتت واشنطن والغرب عموماً، وإسرائيل، طوال 47 عاماً على “ملالي
إيران” وهم يصرحون دوماً بأن أمريكا هي “الشيطان الأكبر”، ويهددون بإزالة
إسرائيل من الوجود، ويطورون منظوماتهم العسكرية التقليدية وغير التقليدية
بما فيها تخصيب اليورانيوم؟

لماذا سكتت واشنطن على العلاقات التجارية والاقتصادية المتطورة بين إيران
ودول الخليج، وخصوصاً الإمارات؟ ولماذا صمتت على المصالحة بين طهران
والرياض برعاية بكين في 10 مارس 2023؟ ولماذا سكتت كذلك على استهداف
الحوثيين (حلفاء إيران) للمملكة العربية السعودية (حليف واشنطن
الاستراتيجي) بالصواريخ، وتركوها تتورط في حرب استنزافٍ في اليمن؟

إن الرد على كل هذه التساؤلات يكمن فيما وصل إليه الحال في العالم العربي
والشرق الأوسط بعد ثورة الخميني وكان لها دور فيها، ومن ذلك مثلاً:

ما كانت الصراعات المذهبية لتشتعل بين الشيعة والسنة وتُثار أحقاد الماضي .

إضعاف العراق ثم احتلاله أمريكياً وتدمير وحدته الوطنية.

إثارة الحرب الأهلية في اليمن وتقسيمه.

تعطيل الحياة السياسية في لبنان.

استباحة الأراضي السورية.

تعميق الانقسام الفلسطيني.

تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في الخليج وعموم المنطقة.

استنزاف أمريكا لدول الخليج وابتزازها بحجة حمايتها من “الخطر الإيراني”.

إن كل هذه المكاسب الاستراتيجية أهم لأمريكا وإسرائيل من خسائرهما في
الحروب التي شنوها على إيران.

في (لعبة الأمم) وحساباتها الاستراتيجية، لا يتم الكشف عن كل الأهداف،
مما يخلط الأوراق ويربك المواطنين العاديين في محاولتهم الحكم على طبيعة
العلاقة بين الدول وفهمها، وما إن كانت علاقة صداقة أم عداوة؟

لا شك أن الشعب الإيراني قام بثورة على نظام الشاه، وكان من الممكن
لواشنطن مساعدة الشاه، ولكن ما جرى في إيران عام 1979 جاء متزامناً مع
التدخل السوفيتي في أفغانستان، والثورة الإسلامية على النظام الموالي
لموسكو 1978، ومساعدة واشنطن لـ (المجاهدين الأفغان) لقتال الروس ودعمهم
لتنظيم القاعدة.

حدث كل ذلك لأن واشنطن أدركت أهمية وجود قوى إسلامية متطرفة أو مذهبية
لمواجهة النفوذ والتمدد الشيوعي في المنطقة، وتوظيف الإسلام السياسي لخلق
فتنة وصراعات داخلية تبرر مزيداً من التدخل الغربي في المنطقة التي تملك
أكبر مخزون من النفط والغاز، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي.

من هنا حدث تقاطع في المصالح بين الثورة الإسلامية الإيرانية والمصالح
الاستراتيجية لواشنطن والغرب -دون أن يكون بالضرورة هناك اتفاق أو تفاهم
مسبق- وحاول كل طرف -بالرغم من العداء الظاهر بينهما- توظيف نقطة التقاطع
هذه لتحقيق مصالحه الاستراتيجية بتكتيكات مختلفة، استمرت إلى أن ارتأت
واشنطن وإسرائيل أنه يجب تحجيم الدور الوظيفي لإيران في المنطقة دون
إنهاء النظام كلياً.

كانت إيران تدرك أن ما تحققه سياساتها في الدول العربية من فوضى وإثارة
الصراعات المذهبية فيه مصلحة لواشنطن وإسرائيل، ولكنها في الوقت نفسه
استغلت هذا الدور لتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية وتعزيز نفوذها في
المنطقة خصوصا في الخليج.

في هذا الصراع بين الطرفين، والذي كان يصل أحياناً إلى درجة الحرب
الفعلية كما هو حادث الآن، يدرك الطرفان أن هدف إيران ليس تدمير إسرائيل
أو إنهاء وجودها كما تشيع؛ لأنهما يعلمان أنه لا يمكن تحقيق ذلك لكون
إسرائيل دولة نووية وستلجأ للسلاح النووي إذا شعرت أن وجودها مهدد، كما
تعرف إيران أن واشنطن والغرب لن يسمحا بهزيمة إسرائيل لدرجة إنهاء
وجودها. أيضاً ليس من مصلحة واشنطن وتل أبيب إسقاط النظام الإيراني كليا
بل إخضاعه وإضعافه ونشر حالة فوضى داخله وفي محيطه ،فهما بحاجة إليه
كعنوان للمذهب الشيعي المنافس للسنة وبالتالي استمرار تقسيم المجتمعات
العربية والإسلامية مذهبياً وخصوصاً أنه ثبت أن العداء والصراع الديني
المذهبي أكثر دموية من الصراعات القومية والأيديولوجية التقليدية.

وبناءً عليه، فإن للصراع بعداً استراتيجياً؛ فهو بالنسبة لواشنطن يتمثل
في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط لأسباب متعددة منها الموقع وخيرات
المنطقة من نفط وغاز مما يقوي موقفها في الصراع مع الصين أيضا أسباب خفية
لها بعد ديني مرتبط بإسرائيل، وبالنسبة لإيران في استعادة مجدها الفارسي
ولو من خلال تقاسم النفوذ مع واشنطن، وهذا ما لم تسمح به الأخيرة ،مع
نزعة دينية مذهبية معادية للعرب .

وفي جميع الحالات، ومهما كانت نتيجة هذه الجولة من الحرب، فالعرب هم
الخاسرون، والعالم العربي والشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكونا كما
قبلها، والخاسر الأكبر هو شعب فلسطين وكل طموحات الأمة العربية بالوحدة،
أو حتى بالاحتفاظ بسيادتها على دولها الوطنية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك