لماذا فقدت جامعة الدول العربية مصداقيتها وهل يمكن إعادة بنائها؟

إبراهيم ابراش

لماذا فقدت جامعة الدول العربية مصداقيتها وهل يمكن إعادة بنائها؟

مرَّ تعيين نبيل فهمي (75 عاماً)، وزير خارجية مصر الأسبق قبل أيام،
أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بإجماع الدول الأعضاء خلفاً لأحمد أبو
الغيط، مرور الكرام دون أي اهتمام شعبي؛ حيث فقدت الجامعة مصداقيتها لدى
الشارع العربي. كما لم يثر تعيينه أي تحفظات من أي دولة عربية كما كان
يحدث سابقاً، حين كانت تتنافس أكثر من دولة على أن يكون الأمين العام
منها.

وقد يكون سبب هذا الفتور هو انشغال الجميع —دولاً وشعوباً— بما يجري في
المنطقة من تهديدات ومخاطر وحروب تركت تداعياتها الخطيرة، ليس فقط على
الدول المستهدفة كفلسطين ولبنان، بل على كل العالم العربي المفترض. كما
إن استهداف إيران لدول الخليج العربي والأردن دون ردة فعل عربية موحدة
يعكس أيضاً تراجع الرابطة القومية العربية.

إن كل ما كان يُراهن عليه من عمل عربي مشترك قد يؤدي للوحدة العربية، أو
على أقل تقدير الحفاظ على الحد الأدنى من التعاون والتضامن العربي —ولو
شكلياً— في إطار الجامعة، بات في مهب الريح؛ حتى إن دعوة مصر في شهر مارس
الماضي لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتشكيل قوة عربية مشتركة لم
تجد أي تجاوب.

يمكن إرجاع تراجع مكانة الجامعة إلى عدة أسباب:

1- ظهور نزعات شعوبية في أكثر من بلد مضادة للقومية العربية.

2- قيود ميثاقها الذي يتطلب الحصول على إجماع الدول لصدور قرارات ملزمة.
3- فشلها في حل أي خلافات بينية أو داخل الدول نفسها، وهي بالعشرات
وبعضها وصل إلى حد الحرب والصدام المسلح.

4- بيروقراطية عملها وعدم كفاءة غالبية موظفيها الذين يتم تعيين غالبيتهم
على أساس الولاء للدولة وليس على أساس الكفاءة والإيمان بالعمل العربي
المشترك.

5- عدم إيمان القادة العرب أنفسهم -خصوصا الجيل الجديد منهم- بالعمل
العربي المشترك، وعدم استعداد أي منهم للتنازل لأي زعيم آخر من أجل
المصلحة العربية المشتركة.
6- التدخلات الخارجية للدول المعادية للعروبة في الشؤون العربية،
ومحاولتها جر بعض الدول العربية أو جزءاً من شعوبها لمحاور خارجية على
أسس دينية مذهبية، أو بإغراءات اقتصادية، أو بذريعة الحفاظ على أمنها
القومي.
7- تراجع الثقافة القومية والفكر القومي العربي لصالح مد أصولي ديني لا
يؤمن بالقومية، أو لصالح ثقافة العولمة.

تعاقب على أمانة الجامعة منذ تأسيسها عام 1945 ثماني شخصيات (جميعهم من
مصر باستثناء واحد من تونس). ولا نبالغ إن قلنا إن فترة أبو الغيط كانت
الأسوأ؛ ففي عهده استمرت فوضى “الربيع العربي”، وتجذرت الخلافات
العربية-العربية، وتصاعد عدوان دول الجوار (إسرائيل، تركيا، وإيران)
وتدخلها في الشؤون الداخلية لأكثر من دولة. كما شهد عهده الموجة الثانية
من التطبيع، حيث رفض أبو الغيط تمرير مشروع قرار فلسطيني يدين تطبيع
الإمارات والبحرين مع إسرائيل، وهو تطبيع يتعارض مع قرارات القمم العربية
ومبادرة السلام العربية، وحرب الإبادة والتطهير العرقي ضد الشعب
الفلسطيني واستباحة سوريا من دول الجوار. وفضلاً عن ذلك، كان أبو الغيط
متهماً —بدلاً من العمل على حل المشاكل البينية— بالانحياز لجهة دون
أخرى، و”تأجير” الجامعة لمن يدفع أكثر؛ فتارة سخرها لقطر مع صعود نفوذها
في المنطقة، وتارة أخرى لدولة الإمارات، وكل ذلك أفقد الجامعة ما تبقى من
مصداقيتها.

جاء تعيين نبيل فهمي في وقت حساس وخطير تمر به الأمة العربية مجتمعة حتى
التي كانت تعتقد أنها محمية بالقواعد العسكرية الأمريكية والغربية أو أن
تطبيعها مع إسرائيل سيحميها ،أو تلك التي كانت تعتقد أن ارتباطها المذهبي
الديني بدول الجوار سيحميه ويشكل بديلا عن عمقها العربي، فهل يستطيع نبيل
فهمي إصلاح الجامعة ورد الاعتبار لها وتغيير ميثاقها مدعوما بالموقف
المصري الصلب تحت قيادة الرئيس السيسي؟ أم سيشهد عهده انتقال الجامعة من
حالة الموت السريري إلى إطلاق رصاصة الرحمة عليها؟وهو ما لا نتمناه أو
يتمناه أي عربي وخصوصا بعد فشل الرهانات على الخارج وفشل رهانات الشعوبية
الضيقة.

إرسال التعليق