حرب شاملة كبرى في الشرق الاوسط بسبب أخطاء في الحسابات
د. محمود عباس
ماذا لو أخطأ الطرفان في الحسابات وتحولت الحرب المحدودة إلى مواجهة مفتوحة؟
هذا هو الاحتمال الأخطر فعلًا، ألا يريد ترامب حربًا شاملة، لكنه يدخلها بسبب خطأ في الحسابات.
الوقائع الحالية توحي بأن ترامب يحاول تسويق حربٍ محدودة الأهداف، إضعاف إيران، ضرب قدراتها الصاروخية والنووية، ثم إعلان أن “الأهداف الاستراتيجية الأساسية” شارفت على الاكتمال، مع حديث متزامن عن خروج أمريكي “سريع نسبيًا” وإمكانية العودة للضرب عند الحاجة. لكن هذا النوع من الحروب هو بالذات أكثر الحروب قابلية للانفلات، لأن فيه سقفين متناقضين، خطاب نصر قريب، وعمليات مستمرة لأسابيع إضافية.
كيف يتحول التصعيد المحدود إلى حرب مفتوحة؟
يحدث ذلك عادة عبر سلسلة أخطاء، لا عبر قرار معلن من البداية. مثلًا، ضربة أمريكية كبيرة لا تؤدي إلى ردع إيران بل إلى رد أوسع؛ أو هجوم إيراني يوقع خسائر أمريكية كبيرة؛ أو توسيع الاستهداف إلى البنية النفطية والطاقة؛ أو فشل مسار التهدئة بينما تبقى أزمة مضيق هرمز بلا حل. خطاب ترامب نفسه أبقى هذا الباب مفتوحًا عندما تحدث عن استمرار الضربات المكثفة لأسبوعين أو ثلاثة إضافية، ولوّح بإمكان توسيع الاستهداف إذا لم تستجب طهران.
المشكلة أن إيران ليست هدفًا سهل الإغلاق. حتى مع الضربات الواسعة، ما تزال هناك ملفات غير محسومة، منها اليورانيوم المخصب المحصن في منشآت شديدة التحصين، وهو ما دفع إلى بحث خطط شديدة الخطورة تتضمن عمليات خاصة للاستيلاء عليه، وهي خطط وُصفت بأنها معقدة ومكلفة وقد تستغرق أسابيع وتعرّض القوات الأمريكية لخسائر. هذا وحده يكشف أن إعلان “الاقتراب من الحسم” لا يعني أن الحسم تحقق بالفعل.
والأخطر من ذلك أن الداخل الأمريكي نفسه لا يبدو مستعدًا لحرب طويلة. استطلاعات نُشرت اليوم أظهرت معارضة واسعة لإرسال قوات برية، وأن أغلبية كبيرة تريد إنهاء الحرب سريعًا حتى لو لم تتحقق كل الأهداف. لذلك، إذا طال أمد المعركة أو ارتفعت الخسائر أو زادت أسعار الوقود أكثر، فقد يجد ترامب نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ، التراجع قبل إنجاز كامل، أو التصعيد لإثبات أن خطابه لم يكن مبكرًا.
اقتصاديًا، هذا هو عنصر الانفجار الصامت. التقارير تشير إلى أن الحرب رفعت التوتر حول مضيق هرمز وأثرت في أسعار النفط والوقود والأسواق، بينما بقيت قضية الملاحة وإمدادات الطاقة جزءًا من جوهر الأزمة. لهذا فالحرب، حتى لو ظلت “محدودة” عسكريًا، يمكن أن تصبح واسعة استراتيجيًا بمجرد أن تتحول من ساحة قصف إلى ساحة استنزاف اقتصادي عالمي.
ومن زاوية أخرى، هناك مفارقة مهمة، بعض التقييمات ترى أن حربًا كان المقصود بها كسر إيران قد تنتهي إلى نتيجة عكسية، أي إيران أضعف عسكريًا لكنها أكثر تشددًا وخطورة سياسيًا وإقليميًا، خصوصًا إذا خرجت من الحرب من دون اتفاق شامل يقيّد قدرتها على التأثير في الممرات البحرية وفي شبكاتها الإقليمية. هذا يعني أن “النصر العسكري الجزئي” قد يتحول إلى “مشكلة استراتيجية أكبر” بعد توقف القصف.
لذلك، السيناريو الأخطر ليس أن ترامب قرر منذ البداية “إنهاء إيران”، بل أن يريد حربًا قصيرة قابلة للبيع داخليًا، ثم تفرض عليه الميدانُ حربًا أطول مما وعد به. هذا يحصل عندما يُعلن الزعيم أن الأهداف قاربت النهاية، ثم يكتشف أن الخصم ما زال يملك القدرة على التعطيل والرد والمراوغة. عندها يصبح كل تصعيد جديد محاولةً لحماية المصداقية أكثر من كونه خطوةً محسوبة ضمن خطة أصلية.
لذلك فاحتمال التحول إلى حرب مفتوحة موجود، لكنه لا يبدو الخيار المفضل لترامب الآن. خياره المفضل، وفق ما قاله اليوم، هو أن يعلن اقتراب الإنجاز، يواصل الضغط لأسابيع قليلة، ثم يبحث عن مخرج سياسي أو عسكري محدود. لكن لأن ملفات أساسية ما تزال عالقة، ولأن الداخل الأمريكي ضاغط، ولأن أدوات إيران في الرد لم تُمحَ بالكامل، فإن أخطر ما في المرحلة ليس الحرب نفسها فقط، بل الفجوة بين ما أُعلن في الخطاب وما يستطيع الواقع فرضه لاحقًا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق