جماليّات القصيدة في نتاج الشّاعر صالح باظفاري
صباح بشير:
جماليّات القصيدة في نتاج الشّاعر صالح باظفاري
تنبثق القصيدة الشّعبيّة من قلب الخليج العربيّ؛ كنخلةٍ
ضاربةٍ بجذورها في الأعماق، تستلهم من صمت الرّمال
بَوْح الحكايا، وتخطّ على صفحات الماء أَثرَ حضورها؛
لتغدو في مدّها وجزرها امتدادا يستقرّ في تفاصيل
الحداثة بروح الطّبيعة الأولى.
هذه القصيدة هي اللّسان النّاطق بأحوال المجتمع
الخليجيّ، والوعاء الّذي يحفظ تراثه في زمن التّحوّلات
الكبرى، تنساب كقطرة النّدى فوق أديم الصّحراء، حاملةً
صدق العاطفة والمعنى، راسمةً صورة حيّة للإنسان
الخليجيّ في حلِّه وترحاله، وفي اعتزازه بِقيَمه وكرامته.
نجد في أبياتها انعكاسا دقيقا لجماليّات البيئة، وإرثا
يخاطب الوجدان؛ فمن سكون البادية إلى غمار الحياة،
تمتزج الحكمة بالفطرة، فهي الوثيقة العاطفيّة الّتي لا
تنطفئ، والعهد المكتوب بحروفٍ من وفاءٍ للأرض
والإنسان، تحفظ حكايا الأوائل في صدور الأحفاد، وتمنح
الموروث قدرةً على التّنفّس في فضاء العصر.
ديوان “في داخلي فوضى”:
في الدّيوان الشّعريّ “في داخلي فوضى” للشّاعر صالح
عبيد باظفاري، تتبدّى الصّورة وتمسي القصيدة مرافئ
آمنة، تلتجئ إليها المشاعر من صخب الحياة وضجيجها.
يستحضر باظفاري في نصوصه تلك الرّابطة المقدّسة
بين الحرف والأرض، صائغا من عفويّة اللّحظة
وتفاصيل اليوم العابر فلسفة، تنطق بلسان العامّة وتسمو
بذائقة الخاصّة، والمتأمّل في وهج هذا النّظم، يدرك أنّه لم
يحصر تجربته في رصد الواقع فحسب، وإنما جعل من
مشاعره ترتيبا جديدا للكون والذّات، يسكب فيها من
روحه ما يجعل القارئ الخليجيّ يرى في كلّ بيت قبسا
من سريرته، وظلّا وارفا يأوي إليه كلّما اشتدّ عليه ظمأ
الحنين.
تتّضح هذه التّجربة في كونها انبعاثا فطريّا لروح الشّعر
الشّعبيّ؛ حيث ينتمي باظفاري إلى تلك الزّمرة من
المبدعين الّذين صاغوا وجدانهم من تفاصيل الحياة
وذاكرة المجتمع. تكشف نصوصه عن ارتباطٍ وثيق
بجذور القصيدة العامّيّة الحضرميّة، مع الحفاظ على
بصمته الذّاتيّة، الّتي تحيك أنغاما شجيّة تسترسل على
حناجر المبدعين، وتتردّد أصداؤها في فضاء الأغنية
الخليجيّة والعربيّة على حدّ سواء؛ فهو يسكب الشّعر في
قوالب شفويّة عفويّة، مستمدّا إلهامه من أبسط الأحداث
اليوميّة الّتي يحوّلها إلى صور فنّيّة متوقّدة، ممّا يجعل
شعره مرآة لوعيه الاجتماعيّ وأفقه الرّوحيّ.
يمثّل هذا الدّيوان حالة تعبيريّة تلقائيّة متداخلة الأجزاء،
تشكّل لغة تتّسم بالحشمة والأدب، ممتثّلةً للقيم الأخلاقيّة
الّتي تبلورت مضامينها؛ لتكشف عن وحدة موضوعيّة
تتراوح بين الفخر بالهويّة، والنّزعة الحسّيّة الصّادقة،
والوعظ الإنسانيّ.
كما يهيّمن على الدّيوان تباين دراميّ بين سكينة التّأمّل
والفقد، حيث يرتسم هذا التّضاد في بنية القصائد الّتي
تراوح بين الهدوء الصّوفيّ والقلق والتّوق الرّوحيّ.
على أرضيّة هذه الثّنائيّة، تتبدّى القدرة على تحويل
التّفاصيل اليوميّة البسيطة إلى مكامن شعريّة تصويريّة،
فاستحضار معاني الحنين والجفاء في مقابل الأمل
والوفاء، يخلق إيقاعا نفسيّا متصاعدا، ويصوّر حيرة
الإنسان وتوقه إلى الاستقرار وسط عالم يموج
بالتّناقضات.
نجد في طيّات هذا العمل، صراعا خفيّا بين السّكون
والضّجيج العاطفيّ، الّذي يتمّ التّعبير عنه بلهجة بيضاء،
تجمع بين جزالة التّراث وسهولة العصر، ما يجعل من
هذا العمل الشّعريّ آصرة شعوريّة وانفعاليّة، تؤكّد أنّ
اللّغة الشّفّافة تظلّ هي الجسر الأقوى بين الماضي
والحاضر، وبين الذّات والآخر.
بذلك.. تتحوّل قصيدة باظفاري من نظم شفويّ إلى فعل
اجتماعيّ تشارَكيّ، فهي تطوّع اللّهجة المحكيّة المأنوسة؛
لتستحيل وعاء لعواطف إنسانيّة، تبتعد عن التّصريح
الفاحش وتلوذ بالكناية والتّشبيه، محترِمةً التّقاليد
الاجتماعيّة والوعي الجمعيّ.
عتبة العنوان ودلالاته في ديوان “في داخلي
فوضى”:
يمثّل عنوان “في داخلي فوضى” عتبة نصيّة فارقة،
تلخّص الفلسفة الّتي يقوم عليها هذا العمل، فهو يظهر
كإعلانٍ نقديّ وأدبيّ من خلال ثلاثة أبعاد متّصلة.
في البعد الأوّل، يقدّم العنوان مفارقةً تجمع بين السّكون
الظّاهريّ والحيويّة الباطنيّة، وهو اعترافٌ ضمنيّ بأنّ ما
يبدو للرّائي من هدوءٍ في سمات شخصيّة الشّاعر،
والإنسان الخليجيّ بشكل عامّ، ينطوي على تدفقٍ شعوريٍّ
غنيّ، إذ أنّ الفوضى هنا لا تبدو عبثيّة، فقد وجدت سبيلها
إلى التّرتيب عبر بوّابة القصيدة.
أمّا في البعد الثّاني، فنلمس أنسنةً للفوضى وتصويرا لها
عبر منحها ملامح مألوفة ورهافةً قلبيّة؛ الأمر الّذي يحيل
العنوان من حالة عشوائيّة مبهمة إلى تجربةٍ قابلة للفهم
والاحتواء، ولحظة صدقٍ مع الذّات. وبذلك تصبح
القصيدة مساحةً لتنظيم تلك الانفعالات، وفصلا نقديّا ذكيّا
يفرّق بين جوهر الذّات وعَرَض الحالة؛ لتصبح تلك
الفوضى كيانا وحالةً معبّرةً عن ذاكرة ثريّة تأبى الرّحيل.
في البعد الثّالث، تستحيل هذه الفوضى من منظور نقديّ
إلى المادّة الخامّ، والمنبع الأساسيّ للإلهام؛ حيث يرتفع
النّص الشّعريّ بالفوضى لتغدو مرادفا للخصوبة العاطفيّة
الّتي لا تنضب.
هكذا، يضعنا هذا العنوان أمام حالة صادقة، تحفّزنا على
اكتشاف تلك العوالم والنّفوس المختلفة الّتي تختبئ في
أعماقنا، متخفيّةً خلف ستارٍ رقيقٍ من الهدوء الّذي
تفرضه نواميس الحياة.
البساطة الممتنعة في الشّعر الغنائيّ، ديوان “تغاريد
القلوب” نموذجا:
يأتي ديوان “تغاريد القلوب” ليكون شاهدا على تلاحم
القصيدة بالإيقاع، حيث استطاع باظفاري أن يمزج فيه
رقّة المَحكيّ بروح النّغم، مقدّما صياغة فنّيّة تواكب
تطوّر الأغنية الحضرميّة دون أن تفقد أصالتها.
استُهِلَّت صفحات الدّيوان بعتبات نصيّة مفعمة بالوفاء
والعرفان، حيث رسم الشّاعر في استهلاله ملامح
الامتنان لأسرته، مخصّا والدته الّتي غرست فيه بذور
الإبداع، وأخته الّتي كانت مصدرا لاستلهام النّغمة
الشّجيّة؛ لينتقل بعد ذلك إلى تقديم الشّكر لرموز كان لها
الأثر في إخراج هذا العمل إلى النّور، وعلى رأسهم
الشّيخ محمّد بن عبّود العمودي الّذي رعى هذا الإصدار،
والفنّان د. عبد الرّب إدريس الّذي وضع بصمته الفنّيّة،
وصولا إلى الجهد المتمثّل في تدوين النّوتة الموسيقيّة
للأعمال الواردة في الدّيوان.
في سياق التّقديم الأدبيّ، رسمت شهادات المبدعين
صورة ناصعة لشخصيّة باظفاري الإبداعيّة، حيث وصفه
النّقاد بالشّاعر الحالم، وأكّدوا على صفة المصداقيّة العالية
الّتي تصبغ قصائده، وإحساسه المرهف الّذي يجعل من
مفرداته جسرا يعبر إلى ذائقة المستمع دون استئذان، فقد
نُظِرَ إلى شعره كفيض فطريّ يتجاوب بعفويّة مع رنّات
الأوتار، ويترجم لغة القلوب بأسلوب يجمع بين الرّقة
والأصالة.
يصنّف هذا العمل تحت مظلّة الشّعر الغنائيّ، وهذا
التّصنيف يفرض على القصائد سمات محدّدة، منها
سلاسة المنطوق، والاعتماد على الإيقاعات الّتي تتناسب
مع الأسلوب الحضرميّ والألحان العربيّة.
يعزّز هذا النّمط التّقارب الفنّيّ بين القصيدة والمتلقّي،
محوّلا هذا البوح إلى نغمةٍ مألوفةٍ تسكن الذّاكرة؛ حيث
يظهر اتّساق النَّظم؛ ليفي بمتطلّبات الأداء استنادا إلى
رشاقة العبارة والابتعاد عن التّعقيد اللّغويّ، ممّا يضفي
على النّصوص مسحة رومانسيّة فطريّة، نابعة من صدق
المعايشة وعمق الارتباط بالهويّة المكانيّة.
هذا التّآزر الوثيق بين الكلمة والنّغم، المدعوم بالتّدوين
الموسيقيّ المرفق، يؤكّد أنّه يكتب وفي مخيّلته الإيقاعات
المرتبطة بالجذور، جاعلا من شعره مشروعا فنّيّا
متكاملا، يعكس حالة من الإخلاص لنبضٍ يحاكي النّاس
ويشبههم، ويستلهم حكاياتهم اليوميّة وعواطفهم.
من خلال هذا المنهج، يُبرِز قدرته على صياغة مفرداته
بأسلوب يجمع بين البساطة الممتنعة والعمق، ووفائه لفنّه
ومجتمعه.
العنوان “تغاريد القلوب”:
هو عنوان غنيّ بالدّلالات السّيميائيّة، يجمع بين عالمَي
التّغريد بما يحمله من إيحاءات صوتيّة مستمدّة من
الطّبيعة، وعالم “القلوب”؛ كمستودع للعواطف والوجد.
يوحي هذا التّركيب الإضافيّ بأنّ القصائد الواردة في
الدّيوان أصداء روحيّة، تنبعث من أعماق الذّات؛ لتشكّل
لوحات غنائيّة بكلمات مكتوبة بالإحساس، تنقل المتلقّي
من حيّز القراءة البصريّة إلى حيّز السّماع الشّعوريّ،
جاعلةً من الأحاسيس القلبيّة تغاريد، تتخطّى صمت
الحروف بإيقاعها.
يستشفّ القارئ من هذا العنوان جوهر الهويّة الفنّيّة
للدّيوان، وهو ما تؤكّده الإهداءات والكلمات النّقديّة
الملحقة الّتي تصف باظفاري بأنّه يعزف على أوتار
القلوب بريشة الكلمة؛ فاختيار مفردة “تغاريد” تحديدا
يشير إلى حالة من الانعتاق والحرّيّة في التّعبير، حيث
تتدفّق الأفكار بسلاسة تشبه شدو الطّيور، وتضفي
“القلوب” صبغة جماعيّة وذاتيّة في آن واحد، ممّا يجعل
من العنوان اختزالا مكثّفا للتّجربة التأمّليَّة الّتي تمّ
تقديمها.
بذلك، نجد أنّ هذا الدّيوان يجمع بين الوفاء للجذور،
والانفتاح على الأفق العربيّ الواسع في القصيدة الغنائيّة
الشّعبيّة الّتي تستحقّ الدّراسة والتّحليل.
من عفويّة اللّفظ إلى رشاقة الإيقاع في قصيدة “لمّا
قلبي”:
في أعمال أخرى للشّاعر، نجد في قصيدة “لمّا قلبي”
حالة وجدانيّة أخرى، فقد جسّدت ملامح الأغنية الخليجيّة
المعاصرة، واكتسبت أبعادا تعبيريّة حين شَدَت بها الفنّانة
أحلام بصوتها، حيث أضفَت بنبرتها القويّة، طابعا من
الشّجن عليها، ممّا جعلها في صدارة الأغنيات النّاجحة.
تتمحور هذه القصيدة حول صراع عاطفيّ كلاسيكيّ،
تطرح ثنائيّة صبر المحبّ في مواجهة الغرور، فتظهر
العاطفة المهيمنة هنا في صورة التّسامح المطلق
والاستسلام الطّوعي لسلطان الحبّ.
كما تحتوي القصيدة على مفارقة تعزّز صورة العشق
العذريّ؛ ففي الوقت الّذي ينكر فيه المحبوب مشاعره
أمام الملأ ويطالب بإيجاد بديل لهذا الشّغف، نجده يجاهر
بعشقه معتزّا بكون هذا المحبوب هو خليله الوحيد. هذه
المقابلة الدّراميّة ترفع من شأن المحبّ الّذي يقتات على
الحبّ، حتّى في أحلك لحظات الحزن.
هنا أيضا، اعتمد باظفاري على لغة سلسة بين الفصحى
واللّهجة البيضاء، مستخدما مفردات بيئيّة أصيلة، الأمر
الّذي منح القصيدة هويّة مكانيّة وتراثيّة واضحة.
أمّا الصّور الشّعريّة، فقد جاءت حسّيّة مباشرة، تبتعد عن
التّعقيد السّرياليّ، محوّلة الكلمات من حالة الأنين
والدّموع إلى حالة التّفاؤل واللّقاء؛ فقد شُيِّدَت على نظام
اللّازمة الّتي تربط مقاطع القصيدة بعضها ببعض، وأسهم
تنوّع القوافي الدّاخليّة ضمن الأشطر في خلق تدفّق
موسيقيّ متناغم مع الألحان.
إذن.. تقدم هذه القصيدة نموذجا للمحبّ الّذي يرى في
الوفاء قيمة مهمّة، فاجتماع الكلمة الرّقيقة مع اللّحن
المتقن والأداء الصّوتيّ المتمكّن، جعل منها عملا
متكاملا، يمزج بين الجمال وقوّة العاطفة، والمعايير
الجماليّة الّتي تميّز الموروث الغنائيّ في الجزيرة العربيّة.
خلاصة القول..
تظهر القيمة الجوهريّة في نتاج باظفاري في قدرته على
منح الجغرافيا روحا وإحساسا؛ إذ تغدو تضاريس
الأرض في نصوصه كائنات تشاركه قلقه وفرحه،
وفضاء يكتمل بوعي القارئ وإسقاطاته الذّاتيّة، فيتحوّل
فعل القراءة إلى شراكة تعيد اكتشاف المسافات الفاصلة
بين الحلم والواقع، متحرّرةً من الاستعارات المعقّدة
لتمضي في سياقٍ يجري قوله بعيدا عن الغموض الّذي
يجهد الفكر، فالمعنى يصل إلى قلب القارئ، وكذلك
السّامع فور التقائه باللّحن؛ لأنّ الأغنية ابنة لحظتها، وهي
رحلة خاطفة بين صورٍ ممتلئة بالحياة، تعتمد على نبرةٍ
موسيقيّة واضحة، تمنح الملحّن والمغنّي سلاسةً في ضبط
الإيقاع، وتترك في نفس المستمع أثرها، حين تحافظ على
روح النّصّ وصدق عاطفته.
صباح بشير.. روائيّة وناقدة فلسطينيّة.



إرسال التعليق