هرمز.. مِقصلة الإمبراطورية الأمريكية ومقبرة “إسرائيل الكبرى”

هرمز.. مِقصلة الإمبراطورية الأمريكية ومقبرة “إسرائيل الكبرى”

انتحارٌ على أبواب المضيق: هل تعيدُ واشنطن خطيئة لندن في السويس

عدنان الروسان

اليومَ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، يتوجبُ على الأنظمةِ الرسمية العربية قراءةُ ما يجري في المنطقة، وفهمُ تفاصيلِ المشهدِ بعيداً عن آراءِ كثيرٍ من المستشارين والمُنتفعين حولهم.
ما يجري اليومَ في منطقةِ الخليج وكثيرٍ من أصقاعِ العالم العربي هو نتاجُ “الحدث الكبير” الذي تمَّت هندستُه على يدِ “نتنياهو”؛ بوصفِه ممثلاً للكيان الإسرائيلي ومرجعياتٍ يهودية كبرى في العالم، حيث أقنعَ “ترامب” الرئيسَ الأمريكي بتنفيذه والمشاركةِ فيه، ليحصدا سويةً “الانتصارَ الكبير” الذي سيحقق لهما النتائج التالية:
تهشيم إيران وتغيير نظامها السياسي: وإعادتها إلى عهدِ “الشاه” الذي كان يقومُ بدورِ (شرطي الخليج)، وينفذُ المشروعين الصهيوني والغربي في المنطقة.
محو “حزب الله” اللبناني من الوجود: وإعادةُ لبنان مركزاً للمتعة والجاسوسية العالمية.
إتمام السيطرة على ثروات الخليج: وإخضاعُ النظم السياسية فيها —طوعاً أو كُرهاً— لكامل الرغبات الإسرائيلية والأمريكية.
إضعاف الصين وروسيا: الأولى اقتصادياً والثانية عسكرياً ولوجستياً، وذلك باحتلال إيران واستعادتها إلى “بيت الطاعة” الأمريكي.
تهميش دور الدين الإسلامي: في حياة الناس بالمنطقة العربية، ونشر ما بات يُسمى بـ “الديانة الإبراهيمية”، والقضاء على كل الحركات والأحزاب والجمعيات الإسلامية.
إعادة رسم خرائط المنطقة: وخلق “حدود جديدة” لإسرائيل الكبرى التي تسيطر على المنطقة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً لحساب المعلم الأمريكي.
هكذا كان المخطط..
ولذلك بدأ الهجومُ على إيران في الثامن والعشرين من شهر شباط الماضي، وكانت كل التوقعات الأمريكية تشير إلى أن الحرب ستنتهي خلال أيامٍ قليلة جداً، لذا كانت سقفُ التوقعات مرتفعاً، بل سادت حالةٌ من “نشوةِ النصر” التي تحققت في اليوم الأول باغتيال المرشد الأعلى وعددٍ كبير من قيادات الصف الأول.
غير أننا، ونحن ننظر اليوم بعد اثنين وثلاثين يوماً من الحرب، نجد أن أمريكا وإسرائيل تتخبطان بصورة كبيرة، ويشعر “ترامب” و”نتنياهو” بارتباكٍ شديد؛ وهذا ما يجعل تصريحات “ترامب” متناقضةً وكثيرةً وغير مقنعة. اليوم انحسرت أهداف الحرب ليصبح “مضيقُ هرمز” هو الهدف الأوحد الذي يريد “ترامب” المحاربة لأجله.
ترامب لم يقرأ التاريخ.. ونتنياهو لم يقرأ لا التاريخ ولا التوراة ولا التلمود، ومرجعيتُه الوحيدة هي “سارة”!
في عام 1956م، أقنعت إسرائيلُ كلاً من بريطانيا العظمى وفرنسا بالهجوم على مصر لقلب نظام “جمال عبد الناصر” والاستيلاء على قناة السويس عنوةً بعد تأميمها. نجح الهجوم في أيامه الأولى وسادت “نشوة الانتصار”، غير أن الظروف الدولية تغيرت خلال أيام، فانسحبت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وسجلت مصرُ انتصاراً كبيراً؛ ليس بجهودها العسكرية وحدها، بل بفعل الاختلافات الدولية والضغوط الأمريكية والروسية (السوفيتية آنذاك).
اليوم المشهدُ يتكرر..
هناك كانت “قناة السويس” واليوم “مضيق هرمز”. هناك كان “إبليس الإسرائيلي” يخطط ويجرُّ الدولة الكبرى حينها، واليوم “الإبليس” نفسه يجرُّ الدولة العظمى للحرب. هناك كانت هزيمةً مدوية، وهنا تتبدى في الأفق بوادر هزيمة كبرى لأمريكا وإسرائيل:
دول أوروبا: نأت بنفسها عن المشاركة.
دول الخليج: التزمت بالحكمة رغم تعرضها للضرب، ورجّحت لغة العقل والجغرافيا على لغة الانفعال.
الديانة الإبراهيمية: تراجعت، وربما تتحول دورُ عبادتها إلى “مخازن للبضائع القديمة”.
إن عوامل تفكك الإمبراطوريات لا تعود لضعف القوة العسكرية فحسب، بل لأسبابٍ أخرى أعمق. وأعتقد أن غبار المعارك سينجلي عن نتائج في غاية الأهمية:
ستكون إيران أقوى من ذي قبل إذا خرجت سالمةً من الحرب.
ستتغير العلاقة بين دول الخليج وإيران إلى علاقة تقوم على “الواقعية” لا التحدي، بعد إدراك الجميع أن أمريكا تتلاعب بالمنطقة.
سيكون الحضور الأمريكي أضعف، مقابل تمدد صيني وروسي في مجالات الطاقة والاقتصاد.
أمريكا تغامر اليوم بـ “الانتحار الوجودي” من أجل مضيق هرمز، كما انتحرت بريطانيا وجودياً في قناة السويس.. والتاريخُ يعيدُ نفسَه في أحيانٍ كثيرة، أليس كذلك؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك