سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد

د. محمود عباس 

سوريا بين استبدادٍ ساقط وظلامٍ صاعد

هيئة تحرير الشام ورئيسها أحمد الشرع لا يؤسسون دولة، بل يعيدون إنتاج نموذجٍ مُقنّع للخلافة؛ لا يكتبون دستورًا، بل يهيئون الأرضية لفرض شريعة مؤدلجة وفق قراءات انتقائية تُنسب إلى تراثٍ فقهي يُستخدم كأداة حكم لا كمنظومة قيم. الحكومة تُقدَّم بوصفها مؤقتة، أما مركز القرار فمصاغٌ بعقلية ديمومة مغلقة، تستند إلى تصورٍ قدري للسلطة، يجعل الحكم “تفويضًا إلهيًا” لا يخضع للمساءلة، ويحوّل المجتمع إلى تابعٍ لإرادة تُقدَّم بوصفها فوق التاريخ وفوق الإنسان.

هنا تتشكل أخطر معادلة سياسية، خطابٌ مرن في الواجهة، وممارسة صلبة في العمق. تُفتح مساحات شكلية للاعتراض، تُنظَّم المسيرات، ويُسمح بالكلام، لكن ما يُقرَّر يُنفَّذ بوصفه “حكمًا نهائيًا”، لأن مصدره ليس قابلًا للنقاش. هكذا يُصاغ وعيٌ مزدوج، سلطة تقول شيئًا، وتفرض نقيضه، وتُقنع المجتمع أن الاعتراض ممكن، ما دام بلا أثر. هذه ليست براغماتية، بل هندسة دقيقة لتدجين الوعي وتحييد الفعل.

تُصدَّر القرارات كوقائع منجزة، ويُمهَّد لها بخطابٍ تعبوي يمنح الناس هامشًا لفظيًا للاعتراض، بينما تُغلق كل المسارات الفعلية للتأثير. وعندما تُربط هذه القرارات بتأويلات دينية، يصبح رفضها مؤطرًا بوصفه رفضًا للنص ذاته، فتتحول السياسة إلى حقل تكفير، ويُدفع المجتمع إلى معادلة قسرية، القبول أو الاتهام. عندها لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يُعاد تعريفه كخروجٍ عن “الحق”، بما يفتح الباب لشرعنة الإقصاء. والإقصاء في هذا السياق مجرد فعل سياسي يُمارَس بأدوات السلطة، بل تحوّل إلى فعلٍ مُؤسَّس لاهوتيًا، تُمنحه الشرعية من داخل خطاب ديني مُسيَّس، لا من خارجه. فحين تُرفَع صرخات “الله أكبر” بوصفها خاتمة لكل قرار، أو غطاءً لكل إجراء، فإنها لا تبقى تعبيرًا إيمانيًا بريئًا، بل تتحول، في هذا الاستخدام، إلى آلية تحصين رمزي، تُغلق باب الاعتراض قبل أن يُفتح.

سوريا في هذا المسار لا تُدار كدولة، بل كفضاءٍ يُعاد تشكيله أيديولوجيًا. تُكسى بالرموز، وتُرفع الشعارات، بينما يجري تفريغ المجال العام من التعدد، وتحويل المؤسسات إلى أدوات لنشر رؤية واحدة. المعارضة تُحتوى شكلًا، لكن البنية الحاكمة تُحصَّن ضد أي تغيير حقيقي. وهنا تكمن الحنكة الأخطر، إظهار الانفتاح كغطاء، وتكريس الإغلاق كجوهر.

لم يعد الرعب في سوريا محصورًا بأجهزة الأمن ومربعاتها، بل تمدّد ليصبح مناخًا عامًا. الخطر لم يعد قابلًا للتحديد في جهة واحدة، لأنه تسلّل إلى الشارع، إلى المدرسة، إلى اللغة اليومية، إلى طريقة التفكير ذاتها. لم يعد القمع حدثًا، بل صار بيئة. لم يعد الخوف رد فعل، بل تحول إلى قناعة تُعاد إنتاجها كل يوم.

هذه المنظومة لا تعمل على إسكات الأصوات فحسب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان ذاته: فردٌ خائف، منغلق، مُطوّع لرؤية واحدة. إنها أخطر من أجهزة القمع التقليدية، لأنها لا تُعاقب فقط، بل تُعيد برمجة المجتمع، وتحوّل الخوف من أداة إلى ثقافة، ومن استثناء إلى قاعدة.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، حين يتحول الخوف من سلطة إلى ثقافة، ومن إجراء إلى سلوك يومي، يصبح المجتمع بأكمله رهينة. لا يُقمع فقط، بل يُعاد تشكيله ليقبل القمع كجزء من تعريفه لذاته. عند هذه النقطة، لا يعود الانحدار احتمالًا، بل مسارًا مكتمل الأركان.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الالتفاف الجماهيري حول أحمد الشرع، خصوصًا في المهجر، بوصفه تعبيرًا عن قناعة فكرية أو تبنّيًا واعيًا لمشروعه، بل كارتداد نفسي وسياسي عنيف ضد إرث النظام المجرم البائد. إنه تعبير عن كراهية عميقة لمرحلةٍ سابقة، أكثر مما هو تأييدٌ لمرحلةٍ قادمة. غير أن هذا الارتداد، بدل أن يفتح أفقًا نقديًا، انزلق في كثير من الأحيان إلى اصطفافٍ عاطفي، تُغلَّب فيه الهوية المذهبية على المعايير السياسية والعقلانية.

وهنا يظهر الخلل الأخطر، حين تتحول الهوية إلى معيار وحيد للحكم، يُعلَّق النقد، ويُغضّ الطرف عن الممارسات، مهما بلغت من تطرف أو عنف. لا يعود السؤال، ماذا يُبنى؟ بل، من الذي يحكم؟ فتُختزل الدولة في انتماء، ويُبرَّر المشروع، أيًّا كان، بمجرد توافقه مع هويةٍ معينة. عندها، لا يعود التطرف عائقًا، بل يُصبح تفصيلًا ثانويًا أمام نشوة، التمثيل.

إن هذا المنطق لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج الكارثة بصيغة مختلفة. فحين يُستبدل استبدادٌ بآخر، وتُستبدل أيديولوجيا بأخرى أكثر انغلاقًا، فإن النتيجة لا تكون تحررًا، بل انتقالًا من قمعٍ إلى قمعٍ أشد عمقًا، لأنه يتسلل إلى الوعي قبل أن يفرض نفسه على الواقع.

وهكذا، لا يعود الخطر محصورًا في السلطة أو أدواتها، بل يمتد إلى قابلية اجتماعية تتسامح مع هذا المسار، بل وتبرّره. وهنا، لا تكون الأزمة أزمة نظام فقط، بل أزمة وعيٍ يُعيد إنتاج ما ثار عليه، دون أن يدرك أنه يسير نحو ظلامٍ أشد قسوة.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك