المجلس الوطني الكوردي وقسد بين تمثيل الحقوق وإدارة الواقع السياسي
لنكن منصفين في مقاربتنا لما جرى ويجري؛ فالمكتسبات المحدودة التي تحققت للشعب الكوردي، على تواضعها وشحّها وما رافقها أحيانًا من تقزيمٍ وإهاناتٍ سياسية، تبقى خطوة لا يجوز إنكار أهميتها، لأنها تشكّل أرضية يمكن البناء عليها.
غير أن هذه المكاسب لم تكن نتاج قوة تفاوضية مكتملة للحراك الكوردي بقدر ما كانت انعكاسًا لتحولات إقليمية ودولية فرضت إيقاعها على المشهد السوري، فجاءت ضمن توازنات مصالح أكثر مما جاءت تعبيرًا عن اعترافٍ راسخٍ بالحقوق. ومن هنا، فإن تحويل هذه النتائج المحدودة إلى خطاب انتصاري مبالغ فيه، أو تقديمها كإنجازٍ تاريخي مكتمل، لا يعكس ثقةً بالنفس بقدر ما يكشف عن قلقٍ داخلي من هشاشة ما تحقق.
إن إحدى الإشكاليات العميقة التي رافقت الحراك الكوردي، في غربي كوردستان كما في بقية الأجزاء، تمثّلت في تآكل الثقة بالذات السياسية. وهي حالة لم تنشأ بمعزل عن الواقع، بل ارتبطت إلى حدٍّ كبير بتقاطع مصالح الدول الإقليمية مع القوى الكبرى، بما جعل القرار الكوردي في كثير من الأحيان رهينة لهذه التوازنات. وهو ما انعكس في القبول المتسرع بما يُقدَّم من الأنظمة بوصفه “منحة” لا “حقًا”. فبدل أن تُدار الحوارات بمنطق الدولة والندية، كثيرًا ما انزلقت إلى منطق العلاقة غير المتكافئة، حاكم يمنح ومكوّن يطلب، سلطة تُقرّر وطرفٌ يسعى للاعتراف. وفي هذا السياق، يتحول الحد الأدنى من الحقوق التاريخية، التي حُرِم منها الكورد على مدى عقود طويلة، إلى إنجازٍ يُطلب من الشعب الامتنان عليه، وهو ما يستدعي مراجعة نقدية هادئة قبل توجيه النقد إلى الآخرين.
وعند النظر إلى تجارب كوردستان الأخرى، تتضح ملامح هذه الإشكالية بشكلٍ أكثر جلاء. ففي جنوب كوردستان، لم تكن التجربة التي قادها الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني قائمة على قبول ما يُعرض من السلطة كحلٍّ نهائي، بل على رفض أي صيغة تُفرَض بوصفها “هدية” تنتقص من الكرامة السياسية، حتى لو كان ثمن ذلك العودة إلى الجبال واستئناف النضال. وفي المقابل، أظهرت تجارب أخرى، في شرق كوردستان وشمالها، كيف أن الأنظمة المحتلة غالبًا ما تلجأ إلى تقديم تنازلات جزئية ومؤقتة، تُستخدم لاحتواء الحراك لا للاعتراف به، ثم تُسحب أو تُفرّغ من مضمونها عند تغيّر الظروف. هذه المنهجية المتكررة من قبل تلك الأنظمة تستدعي وعيًا تفاوضيًا أكثر صلابة، يميّز بين ما يُمنح تكتيكيًا وما يُنتزع استراتيجيًا.
في غربي كوردستان، ومع احتدام الاستقطاب بين أطراف الحراك، جرى في بعض الأحيان تسويق ما تحقق وكأنه تحوّلٌ جذري أو “ثورة مكتملة”، وهو توصيف لا يخلو من مبالغة إذا ما قورن بحجم التضحيات الممتدة لعقود، وبالآمال التي حملها العقد الأخير. فالمكاسب، رغم أهميتها النسبية، ما تزال محصورة في أطر جزئية وجغرافيا غير متماسكة، وترافقها أحيانًا ممارسات تُشعر بأن القضية تُدار بمنطق الاحتواء أكثر من الاعتراف.
أما فيما يتعلق بالحوارات واللقاءات الجارية، سواء تلك التي جرت بين قيادة قسد ورئيس الحكومة السورية الانتقالية، أو اللقاءات التي ضمّت أطرافًا كوردية متعددة، فإن حضور المجلس الوطني الكوردي، رغم ثقله في الشارع الكوردي وأهميته السياسية، بدا وكأنه تمثيلٌ محدود لا يوازي حجم المجتمع الذي يعكسه، بل أقرب إلى حضورٍ فردي ضمن إطار عام، لا إلى تمثيل شعبٍ وقضية.
وعليه، فإن مجمل ما تحقق حتى الآن من قبل الطرفين لا يرقى إلى مستوى التضحيات، ولا إلى عمق القضية الكوردية بوصفها قضية شعبٍ ناضل لما يقارب قرنًا من الزمن. كما أن السياق الدولي الذي فرض حضور بعض الأطراف، ولا سيما الحكومة السورية الانتقالية، على طاولة الحوار، بعد أن كانت حتى وقت قريب تُصنَّف ضمن سياقات راديكالية إرهابية، يكشف بوضوح أن موازين اللحظة السياسية قابلة للتبدل السريع.
ومن هنا، فإن هذه اللحظة لا ينبغي التعامل معها بمنطق التكيّف فقط، بل تستدعي قدرًا أعلى من الوعي والحذر، واستثمارها بما يعزز الحضور السياسي الحقيقي، لا الاكتفاء بحضور شكلي ضمن معادلات متغيرة.
ولا يمكن إغفال البعد البروتوكولي والسياسي في إدارة هذه اللقاءات مع المجلس الوطني الكوردي بشكل خاص؛ فطريقة الجلوس إلى الطاولة، ومستوى التمثيل، ولغة الخطاب، كلها تعكس طبيعة العلاقة بين الأطراف. ومن هنا، فإن أي مظهر من مظاهر الفوقية، حتى وإن غُلِّف بعبارات دبلوماسية، ينبغي أن يُقرأ بدقة، وأن يُقابَل بتثبيت مبدأ الندية السياسية، بما ينسجم مع تاريخ الحراك الكوردي وثقله، فالمجلس الوطني الكوردي أكبر من أن يُختزل حضوره في لقاءٍ جماعي لا يوازي ثقله السياسي، أو أن يُوضَع في مستوى شخصٍ ناشطٍ سياسيًا أو صاحب علاقات شخصية مع أحد أطراف النظام. ولطالما كان من الأجدر أن تُدار مثل هذه اللقاءات بما ينسجم مع مكانة الجهة التي يمثلها المجلس، لا انتقاصًا من قيمة الحضور، بل احترامًا لثقل المجتمع الذي يتحدث باسمه.
في المحصلة، يستحق الحراك الكوردي في غربي كوردستان التقدير على ما بُذل من جهود، وعلى ما تحقق من خطوات، مهما كانت محدودة. لكن هذا التقدير لا يتعارض مع ضرورة النقد الذاتي الهادئ، الذي يضع ما جرى في حجمه الحقيقي دون تضخيم أو تقليل. فالمطلوب اليوم ليس إيقاف الحوارات، بل تطويرها، وبناء ثقةٍ أعمق بالذات، والانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، حيث تُطرح المطالب بوصفها حقوقًا غير قابلة للمساومة، لا مكاسب قابلة للتجزئة. فكل تجربة، بما فيها ما يجري اليوم، ينبغي أن تكون درسًا يُراكم الوعي، ويمهّد لمرحلة تفاوضية أكثر توازنًا وصلابة في المستقبل.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق