غزّة… تتكاثر الخيّانات ويُدفن الجرح حيّا
- رشيد مصباح (فوزي)
كلمة وزير الخارجية الجزائري في جامعة الدول العربية بدت، للوهلة الأولى، وكأنها عودة إلى الصفّ العربيّ، وتصحيح لمسار طال فيه الارتباك. لكن الحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها، هو أن المواقف لا تقاس بخطب تُلقى، بل بما تتركه من أثر.
لقد دفعت الجزائر ثمن مواقفها حين اختارت الاصطفاف إلى جانب نظام بشار الأسد ونظامه المجرم، وفتحت لنفسها أبواب الالتباس في علاقاتها مع محيطها، في ظل تقاطعات مع مشاريع إقليمية تقودها إيران و أذرعها في البلدان المجاورة. والسياسة، حين تفقد بوصلتها، لا تنتج إلا عزلة تُؤكل فيها الدول كما تُؤكل ”القاصية من الغنم“.
ليس في الأمر عاطفة، بل قانون صريح: من يخرج عن محيطه الطبيعيّ، يصبح هدفا سهلًـا. والتاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة الحسابات، ولا يعذر من يراهن على حلفاء لا يرون فيه إلّـا ورقة.
أمّا في غزة، فالمأساة لم تعد تحتمل التجميل ولا التبرير. ما يجري هناك اليوم هو نتيجة تراكم قرارات خاطئة، بل وقاتلة، دُفعت إليها فصائل المقاومة تحت تأثير وعود أكبر من قدرتها، وأثقل من واقعها. الحقيقة الصادمة التي يهرب منها كثيرون هو أنّ الدّعم الذي جاء من إيران لم يكن بريئا، ولم يُبْنَ على نيّة خالصة، بل على حسابات نفوذ وتوسّع، استُثمرت فيها دماء الأبرياء، كما تُستثمر النوايا الخبيثة.
وحين اشتدّ الحريق، أين ذهبت كل تلك الوعود؟
أين اختفى ضجيج ”محور المقاومة“ حين صار الثّمن جوع أطفال وبرد عائلات وخراب بيوت؟
لم نرَ إلا بيانات باردة، وخطابات جوفاء، بينما تُترك غزّة لتواجه مصيرها وحدها.
الأقسى من ذلك، أنّ كل من حاول التحذير من مغبّة الانجرار إلى مواجهة غير محسوبة، وذكّر بقاعدة: ”دفع المفاسد أولى من جلب المصالح“، وُصم بالعار، واتُّهم بالخيانة الدّينيّة. واليوم، بعد أن انكشفت الكارثة، صمتَ أولئك ”الأبطال“ و اختفوا، وكأنّهم لم يكونوا يوما يملأون الدنيا بصراخهم وضجيجهم.
بعضهم عاد إلى حياته و”كأنّ شيئا لم يكن“، وبعضهم وجد في تفاصيل يومه، بل حتى في مباريات كرة القدم، ما يغنيه عن متابعة أخبار المأساة، مأساة تُكتب بالدّم. ونحن هنا إنّما نتحدث عن سقوط أخلاقيّ كامل، لا عن مجرّد نسيان عابر.
غزّة اليوم ضحيّة حسابات خاطئة، وعقول استُدرجت إلى معارك أكبر منها، ثم تُركت تواجه المصير وحدها؛ ”لا خير فيكم إن لم تقبلوها ولا خير فينا إن لم نقُلها“. وإن كان للكارثة وجه أشدّ قسوة، فهو: أن يعتاد الناس على صور الجوع والموت، فتتحوّل المأساة إلى خبر عادي .
حينها… لا تكون غزّة هي وحدها التي تُهزم، بل يُهزم آخر ما تبقّى فينا من إنسانيّة.



إرسال التعليق