مالك بن نبي… لم يكن مجرد مفكّر عابر في تاريخنا

نور الدين سليمي

مالك بن نبي… لم يكن مجرد مفكّر عابر في تاريخنا،

بل كان مرآةً صادقة… لم نجرؤ يومًا على النظر فيها.

لم يقُد جيوشًا،

ولم يصنع مجدًا عسكريًا،

لكنه كان يهدد الاستعمار بشيء أخطر:

وعيٌ لا يمكن احتلاله.

لم يرفع صوته في الميادين…

بل زرع أفكاره في أماكن أعمق:

في العقول التي إن استيقظت… تغيّر كل شيء.

بينما كنا نُفسّر كل سقوطٍ بنظريات الخارج،

كان هو يكتب بهدوءٍ مقلق:

المأساة تبدأ من الداخل… من حيث لا نريد أن نُحاسب أنفسنا.

تحدث عن فكرة صادمة،

لكنها تفسّر الكثير:

أن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة…

هو أن تعتاد الهزيمة،

أن تتقبلها،

أن تعيش معها كأنها قدر.

قال إن الانكسار لا يبدأ حين تُحتل الأرض،

بل حين يضعف المعنى،

ويغيب الهدف،

ويتحول الكلام إلى بديلٍ عن الفعل.

وحذّر أيضًا من شيء أخطر…

أن الاستعمار لا يرحل كما جاء،

بل يترك خلفه ما يضمن بقاء أثره:

يزرع الشقاق بين الشعوب،

ويُغذّي الخلافات،

ويجعل كل طرفٍ يشك في الآخر…

حتى لا تجتمع كلمة،

ولا تقوم وحدة… حتى بعد خروجه من الأرض.

حذّر مما كنا نظنه “تقدمًا”:

أن نقلّد بلا وعي،

أن نستهلك بلا حدود،

أن نعيش على أمجادٍ لم نصنعها…

ونتغنّى بماضٍ لا يُنقذ حاضرًا.

ورغم بساطة الفكرة… كانت صادمة:

البداية الحقيقية لأي تغيير… هي الإنسان.

فكره،

سلوكه،

التزامه،

ووعيه بأنه مسؤول… لا متفرّج.

لكننا لم نُحب هذه المواجهة.

فكان الحكم سريعًا:

“يعيش في اوهام المؤامرة

“قاسٍ في طرحه”

“لا يفهم الواقع”

لأن الحقيقة حين تكشفنا… تصبح ثقيلة.

ومن السذاجة…

أن البعض حتى اليوم يهاجم كلامه،

وكأن الزمن لم يُثبت شيئًا،

رغم أن كل ما حذّر منه

قد وقع… وما زال يتكرر أمام أعيننا.

ثم مرّ الزمن…

وبدأ الواقع يعيد كلماته،

كأنها لم تكن تحليلًا… بل قراءة لما سيحدث.

تراجعنا،

تشتتنا،

واستُنزفنا في كل شيء…

رحل الرجل عام 1973 بهدوء،

وترك وراءه فكرًا

لو أُخذ بجدية في وقته…

لربما تغيّر شكل حاضرنا بالكامل.

واليوم…

يمر اسمه مرورًا خافتًا،

لا يُستحضر كما يجب،

ولا يُطرح حين نبحث عن أسباب ما نحن فيه…

وكأن المشكلة لم تكن في غيابه،

بل في تجاهلنا له.

فالسؤال ليس: من هو مالك بن نبي؟

السؤال الحقيقي:

كم مرة مرّت أفكاره أمامنا… واخترنا أن لا نسمع؟

اقرأوه…

ليس لتضيف اسمًا جديدًا إلى معرفتك،

بل لتفهم أين بدأ الخلل… ولماذا ما زال مستمرًا.

رحم الله عقلًا رأى أبعد مما رأينا…

وما زال ينتظر من يقرأه بعينٍ مختلفة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك