التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة خلال السنوات الأخيرة…

التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة في مصر خلال السنوات الأخيرة…

التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة في مصر خلال السنوات الأخيرة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نبني جامعات حقيقية أم نبني مباني تحمل اسم جامعة؟ الفارق بين الاثنين ليس شكليًا، بل يتعلق بجوهر فلسفة التعليم نفسه. فالجامعة ليست مجرد حرم أنيق أو موقع إلكتروني متطور، بل منظومة علمية متكاملة تقوم على هيئة تدريس راسخة، ومعامل بحثية متقدمة، وثقافة أكاديمية تضع البحث العلمي (Scientific Research) في المقدمة، وتُعلي من معيار الجدارة والكفاءة (Merit) لا مجرد القدرة على دفع الرسوم.
وإذا نظرنا إلى خريطة التعليم العالي في مصر اليوم سنجد توسعًا لافتًا. فعدد الجامعات وصل إلى ما يقرب من 128 جامعة، بينها حوالي 28 جامعة حكومية، و32 جامعة أهلية، و37 جامعة خاصة، إضافة إلى الجامعات التكنولوجية وفروع الجامعات الأجنبية. هذا النمو السريع يعكس تحولًا كبيرًا في بنية التعليم الجامعي، ويجعل الجامعات غير الحكومية جزءًا متزايد الأهمية من منظومة التعليم العالي.
لكن هذه السرعة في التوسع تثير تساؤلات من زاويتين: أكاديمية واجتماعية.
فأكاديميًا، بناء جامعة حقيقية لا يتم خلال سنوات قليلة؛ بل يحتاج زمنًا طويلًا لتكوين مدارس علمية (Research Schools)، وتراكم معرفي، وشبكات تعاون بحثي دولي، ونشر منتظم في دوريات علمية محكمة (Peer-Reviewed Journals). هذه العناصر لا تُشترى بالميزانيات وحدها، ولا تُستورد مع الأجهزة الحديثة. وإذا لم يتوافر العدد الكافي من الكوادر الأكاديمية المؤهلة، فإن خطر تحويل الجامعة إلى مجرد مؤسسة تعليمية تقدم خدمة مدفوعة الثمن يصبح قائمًا، بدل أن تكون مؤسسة لإنتاج المعرفة.
أما اجتماعيًا، فإن ارتفاع الرسوم الدراسية في كثير من الجامعات الخاصة والأهلية يهدد بخلق فجوة تعليمية طبقية، حيث يصبح الوصول إلى بعض التخصصات مرتبطًا بالقدرة المالية أكثر من التفوق العلمي. وهنا يفقد التعليم أحد أهم أدواره التاريخية: كونه وسيلة للحراك الاجتماعي وتكافؤ الفرص.
ويزداد القلق حين يتجه التركيز إلى التخصصات الأكثر جذبًا للسوق والرسوم المرتفعة، بينما تتراجع الاستثمارات في العلوم الأساسية (Basic Sciences) التي تشكل الأساس لأي نهضة علمية حقيقية. فلا يمكن بناء اقتصاد معرفة (Knowledge Economy) دون استثمار طويل الأمد في البحث العلمي الأساسي، حتى وإن لم يحقق أرباحًا فورية.
إن نقد سرعة التوسع لا يعني رفض الجامعات الأهلية أو الخاصة من حيث المبدأ؛ بل يعني المطالبة بإطار صارم يضمن ضبط الجودة (Quality Assurance) والاعتماد الأكاديمي الحقيقي (Accreditation)، وربط الترخيص بمعايير واضحة تتعلق بالإنتاج البحثي، وعدد أعضاء هيئة التدريس، والإنفاق على البحث العلمي، وليس فقط باستيفاء المتطلبات الإدارية.
فالجامعة الجادة لا تُقاس بعدد الكليات التي تُفتتح في عام واحد، بل بقدرتها على إنتاج معرفة مؤثرة وتخريج باحثين يضيفون إلى المجتمع والإنسانية. وإذا أردنا مستقبلًا علميًا حقيقيًا، فعلينا أن نتذكر أن التعليم العالي ليس سباقًا في عدد اللافتات، بل مشروع حضاري طويل النفس. والجامعة التي لا تقوم على البحث العلمي ستظل، مهما ارتفعت رسومها، مجرد مدرسة كبيرة تحمل اسمًا أكبر من مضمونها.

د محمد إبراهيم بسيوني

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك