طيار خائن هرب بطائرته و سلمها للعدو

جمال ناصيف

في الستينيات والسبعينيات، كانت MiG-25 هي “البعبع” الذي يخشاه الغرب.
كانت أسرع طائرة مقاتلة في العالم، قادرة على التحليق بسرعات هائلة تفوق 3 ماخ (ثلاثة أضعاف سرعة الصوت) وعلى ارتفاعات شاهقة.
اعتقدت الاستخبارات الأمريكية أنها مقاتلة متفوقة جوياً لا تقهر، وكانت تمثل لغزاً تقنياً مرعباً.
في يوم 6 سبتمبر العام 1976
كان الملازم أول فيكتور بيلينكو طياراً متميزاً في قوات الدفاع الجوي السوفيتي، لكنه كان يشعر بالإحباط من النظام الشيوعي والمشاكل الشخصية داخل وحدته.
و خلال رحلة تدريبية روتينية انطلقت من قاعدة “تشوغويفكا” في أقصى شرق الاتحاد السوفيتي، انفصل بيلينكو عن تشكيله فجأة.
و لكي يتجنب الرادارات السوفيتية والمطاردة، هبط بيلينكو بطائرته إلى ارتفاع منخفض جداً 30 متراً فوق سطح البحر، وهو أمر انتحاري تقريباً بمقاتلة ضخمة بهذا الحجم.
توجه بيلينكو نحو اليابان. وبسبب نقص الوقود، لم يتمكن من الوصول إلى قاعدة عسكرية كبرى، فهبط في مطار مدني صغير بمدينة هاكوداته.
كادت الطائرة أن تصطدم بطائرة ركاب، وخرجت عن المدرج لمسافة قصيرة قبل أن تتوقف.
خرج بيلينكو من مقصورته، وأطلق طلقة تحذيرية في الهواء ليمنع المدنيين من الاقتراب، ثم طلب من السلطات اليابانية الاتصال بالسفارة الأمريكية، معلناً رغبته في اللجوء السياسي.
وهنا تم كسر الأسطورة..
بينما كان الاتحاد السوفيتي يطالب باستعادة الطائرة والطيار فوراً مهدداً بعواقب وخيمة، كان المهندسون الأمريكيون واليابانيون يعملون ليل نهار.
قاموا بتفكيك الطائرة قطعة قطعة، واكتشفوا مفاجآت مذهلة لن تعجب الطابور الخامس الروسي .
لقد اكتشفوا أن السوفييت لا يزالون يستخدمون الصمامات المفرغة (Vacuum Tubes) بدلاً من الترانزستورات، مما جعل رادارها قوياً جداً ومقاوماً للتشويش الكهرومغناطيسي، لكنه بدائي تقنياً وكبير الحجم.
و وجدوا أن الطائرة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ يدوياً وليس التيتانيوم، مما جعلها ثقيلة جداً وغير قابلة للمناورة كما كانوا يظنون.
و اكتشفوا أن الطائرة لو وصلت لسرعة 3.2 ماخ، فإن محركاتها ستدمر نفسها حرفياً.
والنتيجة النهائية أدركت أمريكا أن الـ MiG-25 لم تكن مقاتلة “سيادة جوية” مرعبة كما كانوا يظنون، بل كانت مجرد اعتراضية ثقيلة مصممة لملاحقة قاذفات القنابل.
أعادت الولايات المتحدة الطائرة للسوفييت بعد أسابيع فقط، لكنها أعادتها في صناديق خشبية، مفككة بالكامل ومصابة بأضرار جسيمة نتيجة “الفحص”، بل وترك المهندسين الأمريكيين ملاحظات ساخرة داخل الصناديق.
أما عن الطيار المنشق لبيلينكو فقد حصل على الجنسية الأمريكية، وعاش هناك باسم مستخدم جديد، وعمل كمستشار لسلاح الجو الأمريكي، وتوفي في أواخر عام 2023 عن عمر يناهز 76 عاماً.
الخبراء داخل الاتحاد السوفيتي اضطر لإعادة تصميم أنظمة الرادار والتشفير في كل طائراتهم، مما كلفهم مليارات الدولارات،وتم تغيير إجراءات التأمين والمراقبة داخل سلاح الجو السوفيتي بالكامل حتى لا تتكرر حادثة مشابهة.
عندما وصلت شاحنات الصناديق الخشبية إلى ميناء الاتحاد السوفيتي، لم تكن تحمل مجرد “خردة” لطائرة مفككة؛ بل كانت تحمل أكبر هزيمة استخباراتية في تاريخ الحرب الباردة.
لقد أعادت الولايات المتحدة الطائرة للسوفييت بعد أن “عصرت” كل برغي فيها، وسرقت أسرار الرادارات التي ظلت سرية لعقود.
بينما كان فيكتور بيلينكو يتناول أول وجبة عشاء له في واشنطن كـ “هارب”، كان قادة الكرملين يدركون الحقيقة المرة، أسطورة الميج-25 قد انتهت.
لم تكن تلك الطائرة “الوحش الكاسر” الذي سيحتل سماء أوروبا، بل كانت مجرد “صاروخ مأهول” سريع جداً، لكنه أعمى تقريباً أمام المناورات الحديثة.
لكن السؤال الذي ظل يطارد السوفييت لسنوات:
هل كان بيلينكو مجرد طيار غاضب يبحث عن الحرية؟
أم أنه كان بيدقاً في لعبة شطرنج أكبر، أدت في النهاية إلى ظهور الأسطورة الأمريكية F-15 Eagle التي صُممت خصيصاً لسحق ما تبقى من هيبة الميج؟
والآن.. الدور عليك لنحسم الجدل..
برأيك هل كان بيلينكو خائناً باع وطنه وأسراره العسكرية مقابل حياة الرغد، أم أنه كشف للعالم زيف القوة العسكرية المبالغ فيها؟
تخيل لو لم يهرب بيلينكو بتلك الطائرة، هل كانت موازين القوى الجوية ستتغير، أم أن أمريكا كانت ستكتشف نقاط ضعفها بطريقة أخرى؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك