نصيحة جنرال قبل 30 سنة

د عمار علي حسن

الحرب الدائرة حاليًا أعادت إلى ذهني دراسة مهمة قرأتها في مجلة “السياسة الدولية” وقت أن كنت أدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة في ثمانينات القرن الفائت. كانت الدراسة للواء طلعت مسلم، الخبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة “الأهرام”، وهو كان قائد لواء مشاء ميكانيكي برتبة عقيد في حرب أكتوبر 1973، وانضم فيما بعد إلى حزب “العمل” المعارض، الذي كان يرأسه الرجل العظيم المهندس إبراهيم شكري.
كانت فكرة الدراسة تقول إن الولايات المتحدة حريصة على تفوق إسرائيل في سلاح الجو، حيث تمدها بطائرات متفوقة جيلين أو أجيال عن الطائرات التي تسمح للدول العربية باستيرادها منها، وأن منظومة الدفاع الجوي الشرقية التي نحصل عليها من الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية الأوروبية أيامها، ليست ذات فاعلية قوية في التصدي للطيران الحربي الإسرائيلي، وبذا فإن الوسيلة الوحيدة لسد هذه الفجوة العسكرية هو امتلاك العرب صواريخ هجومية بوسعها تغطية كل مساحة إسرائيل الجغرافية، دقيقة التصويب، شديدة القدرة على التدمير.
وقال مسلم إن هذا السلاح بوسعه أن يحقق التوازن العسكري والردع معًا، ثم أحصى الصواريخ التي تمتلكها “دول الطوق”، وهي: مصر وسوريا والأردن ولبنان، وأضاف إليها صواريخ حديثة حصلت عليها المملكة العربية السعودية وقتها، وأوصى بضرورة تطوير قدرات ذاتية عربية في هذا المجال المهم.
في هذا الوقت كانت إيران منخرطة في حرب ضد العراق، أُطلق عليها حرب الخليج الأولى، وكانت طهران تعتمد على الدفاع بالأساس من خلال قوات المشاة والمدفعية والمدرعات، أما الهجوم فكانت تقوم به عبر صواريخ أرض جو ورثتها الثورة الإيرانية من جيش الشاه، ثم زادتها أثناء جريان المعركة التي استمرت نحو تسع سنوات.
هذه الصواريخ لا تقارن بما صار لدى إيران الآن من هذا السلاح، الذي صنعته بالاعتماد على الذات في ظل حصار مقبض عليها، يستمر منذ سبعة وأربعين عامًا، وهي في هذا تعطي درسا بليغا لكل الدول الثماني، التي يتوهم نتن ياهو انضوائها تحته في ظل ما يسميه “الشرق الأوسط الجديد” أو “إسرائيل الكبرى” التي تمتد من النيل إلى الفرات.
مصر من جانبها لم تنس قاعد التوازن والردع، وما كتبه طلعت مسلم كان تطويرا لأفكار تبناها الفريق عبد المنعم رياض، الذي استشهد في حرب الاستنزاف، وهو أحد رموز العسكرية المصرية، وآمن بها المشير عبد الحليم أبو غزالة، وأخلص ويخلص لها تلاميذ كثيرون.

إرسال التعليق