سبب و سر صمود ايران في حرب ضد أمريكا

سبب و سر صمود ايران في حرب ضد أمريكا

على مدار عقود، وتحديداً منذ “زلزال” عام 1979، لم تكن إيران تخوض حرباً بالرصاص والبارود فقط، بل كانت تخوض حرباً وجودية ضد “العزلة” و”الحصار”. واليوم، ونحن في عام 2026، وبينما تتساقط الضربات وتتوالى الاغتيالات، يقف العالم مذهولاً أمام حقيقة واحدة: إيران لم تسقط، ولن تسقط بسهولة. ما نراه اليوم من تماسك في بنية الدولة واستمرار تدفق الخدمات الأساسية رغم القصف، ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة “سبعين عاماً” (بين حصار قديم وجديد) من الاعتماد المطلق على الذات.
​1. ترياق الحصار: عندما تتحول العقوبات إلى “مصنع”
​بينما كانت دول المنطقة تفتح أبوابها للاستيراد الاستهلاكي والاعتماد الكلي على التكنولوجيا الغربية، كانت إيران تُجبر على “اختراع” بدائلها. العقوبات التي فُرضت عليها لسنوات طويلة لم تكن مجرد “عقاب”، بل كانت “درساً قاسياً” في السيادة. إيران اليوم لا تنتظر قطع غيار من واشنطن لإصلاح محطات الكهرباء، ولا تنتظر شحنات قمح من أوروبا لتطعم شعبها. لقد بنوا اقتصاداً “موازياً” يرتكز على الداخل، فصارت المزارع والمصانع والورش الصغيرة هي الحصن الحقيقي الذي يحمي النظام من الانهيار.
​2. فلسفة الصمود: عمال الكهرباء تحت النار
​الصورة التي نراها لعمال الكهرباء وهم يتسابقون لإعادة التيار فور قصف المنشآت البترولية تلخص الحكاية. هذا التماسك ليس مجرد “أوامر عسكرية”، بل هو نتاج ثقافة “أمة المواجهة”. هؤلاء العمال يعلمون أنهم في “خندق” تماماً مثل الجندي على الجبهة. النظام الإيراني قد يوصف بالقمعي، لكنه نجح في بناء “عقيدة مؤسسية” تجعل مؤسسات الدولة (الكهرباء، المياه، الصحة) تعمل كخلية نحل لا تتوقف حتى في أحلك الظروف.
​3. الدولة العميقة مقابل الديمقراطيات الهشة
​هنا تبرز المفارقة المؤلمة التي أشرت إليها: ما قيمة الديمقراطية إذا كانت ستنهار مع أول غارة للعدو؟ إيران تقدم نموذجاً لـ “الدولة القوية” التي تمتلك مخالب وأنياباً داخلية. التماسك الإيراني يثبت أن “السيادة الغذائية والتكنولوجية” هي الضمانة الوحيدة للبقاء. عندما تعتمد أمة على نفسها في طعامها وسلاحها ودوائها، فإنها تتوقف عن “الشكوى” وتبدأ في “المواجهة”. العدو يضرب البنية التحتية، والمهندس الإيراني يصلحها بقطع غيار “صناعة محلية”.. هكذا تُدار حروب البقاء.
​4. الدروس المستفادة: السيادة أو الفناء
​إن تماسك إيران اليوم يجب أن يُدرس في أكاديميات العلوم السياسية تحت عنوان “اقتصاد المقاومة”. إنهم لم ينظروا يوماً إلى الخارج لانتظار معونة أو دعم، بل نظروا إلى جبالهم ومصانعهم وعقول شبابهم. هذا “الاستغناء عن العالم” منحهم حصانة ضد “الابتزاز السياسي” الذي تعاني منه دول أخرى تنهار أنظمتها بمجرد إغلاق ممرات الاستيراد.
​الخلاصة:
إيران اليوم تجني ثمار “عزلتها المفروضة”. لقد تحولت العقوبات من سجن إلى “درع وسيف”. وبينما يراهن الأعداء على “تفكك الجبهة الداخلية” بفعل الضغط، يثبت الواقع أن هذه الأمة التي اعتادت العيش بكرامة “الاعتماد على النفس” لن تنحني أمام عواصف الصواريخ، لأنها ببساطة.. تمتلك مفتاح بقائها في يدها، لا في يد البيت الأبيض.

عبد الله الشريف

إرسال التعليق