الحسابات الخاطئة الأمريكية
عدنان الروسان
أمريكا دولةٌ عظمى، وقويةٌ عسكرياً، وهذا صحيحٌ؛ فهي تمتلكُ واحداً من أقوى وأعتى وأكبرِ الجيوشِ في العالم.. لكنَّ الجيشَ الأمريكيَّ بلا أخلاقٍ في الحروب، ونتذكرُ قتالَهُ في العراق وأفغانستان وفيتنام وفي أماكنَ أخرى كثيرةٍ، ولا ننسى مشهدَ جنودِهِ وهم يتبوَّلون على جثثِ المصلين في مسجد الفلوجة بالعراق، وقصفَهم حفلَ عرسٍ في أفغانستان قُتِل فيه نساءٌ وأطفالٌ، وعريسٌ وعروسه، وأشياء أخرى كثيرة تشهدُ على همجيتهم، وهذا معروفٌ للجميع بكلِّ تأكيد.
لكن…
الأمريكيون لا يعرفون إيران…
وأنا هنا أتحدثُ عن شيءٍ حقيقي، وهو أن أمريكا لا تعرفُ “موزاييك” منطقتنا في الشرق الأوسط وغرب آسيا، وهي لا تعرفُ طبيعةَ شعوبِ المنطقة؛ فهي شعوبٌ محاربةٌ وصبورةٌ ولديها مخزونٌ استراتيجيٌّ من العزةِ والكرامةِ لا ينضبُ. وهنا أنا لا أفرّقُ بين إيران أو الشعوبِ العربية وباكستان وأفغانستان، فكل هذه الشعوب ذات حضارة قديمة، وتُبلي في الحروب بلاءً لا يوصف، وإن مُنيَ بعضها بخسائر في السنوات المئة الأخيرة، فلم يكن ذلك إلا لظروفٍ سياسيةٍ خارجةٍ عن إرادة الشعوب ومتعلقةٍ بالنظم السياسية.
الإيرانيون مقاتلون أشداء وهم يدافعون عن وطنهم وعقيدتهم وأمتهم، وهم على غيرِ ما يظنُّ الأمريكيون. لقد وقع الأمريكيون في أفدحِ خطأٍ يمكنُ أن يقعوا فيه؛ فالقوةُ العسكرية الأمريكية قد تؤذي إيران وبقوة، وقد قتلتْ معظمَ قياداتِ الصفِّ الأول، لكنها لم تنلْ من صمودهم وصبرهم وتماسكهم.
غير أننا اليوم أمام متغيرات جديدة؛ فاليوم يهددُ ترامب بأنه سيقصفُ إيران بقوةٍ، والتصريحات الأخيرة تشير إلى أن ترامب سيهاجم منشآت الطاقة الإيرانية وسيبدأ بأكبرها. وأردف في تصريح ثانٍ لقناة تلفزة إسرائيلية أنه سيقوم بتدمير إيران بالكامل مساء غدٍ، وأن إيران “بلدٌ سيئ” وسيقوم بمعاقبته. وإذا كان ترامب جاداً في هذه التهديدات، فالمنطقة أمام منعطف خطير للغاية.
من الواضح أن أمريكا تحاولُ وبقوةٍ جرَّ دولِ الخليج للحرب ومساعدتها في ضربِ إيران، ودولُ الخليج ليست متحمسةً لمثلِ هذا المسارِ الضارِّ جداً. وبعد امتناع الدول الأوروبية عن المشاركة في الحرب، نجد اليوم أن “حلف الناتو” قد غيّر موقفه وقرر الاستجابة لترامب للمساعدة في فتحِ مضيقِ هرمز. وإذا ما أضفنا إلى هذا المتغيرِ الجديد التهديدَ الأمريكي بضربِ منشآت الطاقة في إيران خلال 48 ساعة إذا لم يتم فتحُ مضيق هرمز بالكامل، فإننا سنجدُ أن الحربَ تتجهُ نحو تصعيدٍ كبيرٍ في المنطقة، وهذا قد ينقلُ المواجهةَ إلى منحنى لا يمكن التنبؤُ بمآلاته؛ فإيران بكلِّ تأكيد ستقومُ بضربِ البنى التحتية للطاقة في دولِ الخليج وفي إسرائيل، وقد تتطورُ الأمورُ إلى فوضى كبيرةٍ قد تجرُّ دولاً أخرى للمشاركة في “بازار ترامب الحربي”.
قواتٌ إضافية من “المارينز” تتجه للمنطقة قادمة من الشاطئ الغربي للولايات المتحدة ومن اليابان، وقد يُسجَّل مساء يوم غدٍ واحدٌ من أخطر أيام الحرب على الإطلاق. و ايران أمام الامتحان الاصعب في حياتها كلها ، فهل تنكسر ارادة امريكا على صخرة الصمود الايراني ، ام ان القدر يخبيء لنا مفاجئات اكبر
ما يحدثُ من تطوراتٍ هو أمرٌ خطيرٌ للغاية على كلِّ دولِ المنطقة في المشرق العربي، والتكهناتُ حول ذلك صعبةٌ للغاية، لكن من الملاحظ أن هناك تصعيداً كبيراً جداً من قبل إسرائيل وأمريكا.. “ومَن عِشْ رجباً يَرَ عجباً”



إرسال التعليق