محاكمة و اعدام اخطر جنرال
مختار سهيل
حرب الجوسسة لها خبراء مؤسسين، منظّرين، ومنفّذين. و من لا يتعغلم يدفع الثمن قبل أن يتعلم من أخطائه، . التاريخ لا يرحم من يتجاهل دروس من سبقه، التقدم في فن الجوسسة لا يكفي وحده.
قصة قطع رأس الجيش الأحمر
لكل من يظن أن السوفييت أو الانجليز كانوا أسياد المخابرات في الحرب العالمية الثانية، أقول: التاريخ يكتب بالوثائق لا بالإنشاء. صحيح أن الاتحاد السوفيتي خرج منتصرا من الحرب ، لكن دروس فن الجوسسة لم يتعلمها على حساب الألمان ، بل دفع ثمنها غاليا ثم تعلّمها منهم بعد أن كاد يهزم بسبب تفوقهم.
1- خدعة ( تخاتشيفسكي) :
ميخائيل نيكولاييفيتش تخاتشيفسكي (1893-1937) كان أحد أبرز القادة العسكريين في الاتحاد السوفيتي، وأول خمسة حرّاس سوفيت (مارشالات) . عرف بلقب ( نابليون الأحمر) لقدراته العسكرية الفائقة ، وكان صاحب نظرية ( المعارك العميقة) (Deep Operations). وصفه المارشال جوكوف لاحقا بأنه: مفكر عسكري عظيم ، وأحد ألمع نجوم القيادة في الجيش الأحمر .
2- لماذا أراد هتلر التخلص من ( تخاتشيفسكي )؟
بحلول منتصف الثلاثينيات، كان هتلر يخطط لغزو الاتحاد السوفيتي (خطة بارباروسا لاحقًا). لكنه كان يعلم أن ( تخاتشيفسكي ) يمثل عقبة كبرى أمام هذا المخطط، لأنه:
أول من تنبأ بالحرب مع ألمانيا و حذّر القيادة السوفيتية مرارًا من أن هتلر سيغزو الاتحاد السوفيتي ، وطور نظرية المعارك العميقة التي تعتمد على الضربات السريعة والمدرعات المتطورة ، تشبه الاستراتيجية التي استخدمها الألمان لاحقا وكان قائدا محبوبا وكفؤا ، يتمتع بولاء واسع في صفوف الجيش الأحمر ، وقرر هتلر أن أسهل طريقة لهزيمة الاتحاد السوفيتي هي تدمير قيادته العسكرية قبل الحرب .
3- المخطط الألماني – “عملية الخداع الكبرى”
كلّف هتلر بتنفيذ المخطط :
– ( راينهارد هايدريش ) : رئيس جهاز الأمن التابع لقوات الأمن الخاصة (SD) وأحد أخطر رجال النازية
– ( هاينريش هيملر ) : قائد قوات الأمن الخاصة
– ( والتر شيلينبيرغ ): ضابط استخبارات محترف
4- تقنية التزوير التي أذهلت العالم
خلال شهور، أعدّ ( هايدريش ) وفريقه ملفا مزورا متقنا في مختبر سري تحت مقر الـ( غيستابو ) في شارع ( ألبرت ) ، تحت إجراءات أمنية استثنائية .و كانت تفاصيل التزوير مذهلة :
خبراء خطاطة ألمان نسخوا خط يد (تخاتشيفسكي) بدقة مطلقة
و استعملوا ورق من نفس المصنع الذي كان يستخدمه ( تخاتشيفسكي ) في عشرينيات القرن الماضي ، وحبر معالج كيميائيا لدرجة بهتانه لتبدو الورقة وكأنها كتبت قبل سنوات ، وصتع نخبة من النقّاشين في ألمانيا أختاما مطابقة لأختام الجنرالات الألمان ، و زوّروا إيصالات استلام أموال بتوقيعات تشير إلى أن( تخاتشيفسكي ) تسلّم مبالغ طائلة من المخابرات الألمانية
5- ماذا احتوى الملف المزور؟
الملف المزور قدّم أدلة دامغة على أن ( تخاتشيفسكي ) وسبعة من كبار جنرالات الجيش الأحمر يتآمرون للإطاحة بستالين وكانوا على اتصال بهيئة الأركان الألمانية منذ أكثر من عشر سنوات وتلقوا أموالا من ألمانيا مقابل معلومات استخباراتية حساسة امّا خطتهم فكانت اغتيال ستالين ، وتشكيل حكومة عسكرية موالية لألمانيا
6- تسريب الملف : هل خدع ستالين ؟ (حسب الرواية التقليدية)
كانت المشكلة الأكبر هي كيف يوصل ( هايدريش ) الملف إلى ستالين دون أن يشك في مصدره ؟
وجاء الحل عبر ( تشيكوسلوفاكيا ):
· ( هايدريش ) أبلغ أحد دبلوماسييه في براغ بشكل غير رسمي بوجود ملفات خطيرة عن خيانة في الجيش الأحمر
· الدبلوماسي أبلغ الرئيس التشيكوسلوفاكي ( إدوارد بينيش (الذي كان حليفًا للسوفيت)
· ( بينيش ) ، الذي كان يخشى أن تنقلب ألمانيا على تشيكوسلوفاكيا، سارع إلى إبلاغ السفير السوفيتي في براغ
· السفير السوفيتي أرسل الملف إلى موسكو
في أبريل 1937، وصل ثلاثة من مساعدي نيكولاي يجوف (رئيس مفوضية الشعب للشؤون الداخلية) إلى برلين بجوازات دبلوماسية مزورة ، والتقوا بضابط الأمن الألماني ( هيرمان بيرندس ) ، ودفعوا 200 ألف مارك ألماني (أو 300 ألف روبل حسب روايات أخرى) مقابل الملف .
الرواية الأخرى: هل استخدم ستالين الألمان كأداة؟
7- تسريب الملف : هل خدع ستالين ؟ (حسب رواية أخرى )
هناك نظرية مختلفة يطرحها بعض المؤرخين تقول أنّ ستالين كان يخطط بالفعل لتصفية ( تخاتشيفسكي ) والجنرالات فاستخدمت المخابرات السوفيتية عميلا مزدوجا (نيكولاي سكوبلين) لإقناع ( هايدريش ) بأنه هو من يخدع السوفيت ، والألمان خدعوا ليخدعوا ، أي أنهم كانوا مجرد أداة في يد ستالين للتخلص من خصومه
لكنّ التفسير الذي يطرح هو لماذا يحتاج ستالين إلى ملف ألماني ليصدق تهمة الخيانة ؟ هل كان يحتاج إلى **مبرر قانوني لتنفيذ ما قرره مسبقا ؟
لكنّ رأي المؤرخين المحدثين امثال ( بيتر وايتوود ) في كتابه ( الجيش الأحمر والإرهاب الأكبر) (2015) يقدم تحليلًا مختلفا : قال أنّ ستالين لم يقم بتطهير الجيش الأحمر من موقع قوة وثقة، بل من موقع ضعف وسوء تقدير. كانت آراؤه قد سُمّمت باتهامات البارانويا من قبل الشرطة السرية ، التي رأت جواسيس وأنصار القيصر في كل مكان، واعتقدت أن الجيش الأحمر عرضة لاختراق المخابرات الأجنبية.
بمعنى آخر أنّ ستالين كان يصدق فعلا أن الملفات الألمانية حقيقية ، لأن جنون الارتياب كان قد استولى عليه.
8- التصفية : نهاية النخبة العسكرية السوفيتية
في 4 يونيو 1937، استُدعي ( تخاتشيفسكي ) إلى الكرملين. قيل له إنه عيّن قائدا للمنطقة العسكرية في نهر الفولغا وهو منصب أقل شأنا بكثير من منصبه كنائب أول لمفوض الدفاع . وفي طريقه لتولي المنصب الجديد، قُبض عليه .
9- المحاكمة والإعدام
في 11 يونيو 1937، عقدت محكمة عسكرية مغلقة برئاسة المدعي العام ( أندريه فيشينسكي ) وفي ليلة 11-12 يونيو 1937 حكم على ( تخاتشيفسكي ) وسبعة من كبار القادة بالإعدام ثمّ نفذ الحكم في الطابق السفلي من مقر المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية
ومعه جنرالات آخرون أعدموا معه (إيونا ياكير– قائد منطقة كييف العسكرية- إيرونيم أوبوريفيتش – قائد منطقة بيلاروسيا العسكرية- أوغست كورك – رئيس أكاديمية فرونزي العسكرية- روبرت إيدمان – نائب رئيس المجلس العسكري الثوري- بوريس فيلدمان – رئيس مديرية الكوادر في الجيش الأحمر- فيتالي بريماكوف – نائب قائد منطقة لينينغراد العسكرية- يان غامارنيك – رئيس الإدارة السياسية للجيش الأحمر (انتحر قبل المحاكمة))
10- حجم التطهير
ولم تتوقف التصفية عند الثمانية كان عدد الضبّاط الذين اعدموا أكثر من 35,000 ونسبة القادة العسكريين الذين قضي عليهم أكثر من 50% من هيئة القيادة وقادة الفرق الذين كانوا في مناصبهم قبل الحرب معظمهم قتلوا واستبدلوا بآخرين قبل 1941 ، و بحلول 1940، كان معظم قادة الفرق في الجيش الأحمر قد تولوا مناصبهم قبل أقل من عام .
11- التداعيات – كيف خدمت الخدعة هتلر؟
قبل عملية ( بارباروسا ) ، شهد العالم سقوط فرنسا في يونيو 1940 بعد 6 أسابيع فقط. لكن ستالين لم يستخلص العبرة ، كان ( تخاتشيفسكي ) أول من تنبأ بطبيعة الحرب الحديثة: المدرعات السريعة، الدعم الجوي المكثف، الاختراق العميق. لكن بعد إعدامه، أهمل الجيش الأحمر هذه النظرية. وعندما استخدمها الألمان ضده عام 1941، لم يكن لديه من يفهمها أو يقاومها.
عندما شن هتلر عملية بارباروسا، حقق الألمان أكبر انتصاراتهم في التاريخ العسكري ، الجيش الأحمر كان بلا قيادة ميدانية ذات خبرة ، معظم القادة الأكفاء قد قتلوا أو سجنوا و الضباط الجدد كانوا غير مدربين وغير مؤهلين لقيادة حرب حديثة
12- الجدل التاريخي المستمر
إلى اليوم، يبقى السؤال مفتوحا هل كان تخاتشيفسكي ضحية مؤامرة ألمانية ذكية؟ أم أن ستالين استخدم الألمان كورقة لتنفيذ ما كان يخطط له منذ سنوات؟
الواضح أن النتيجة واحدة ن الجيش الأحمر فقد أفضل قادته قبل الحرب بأربع سنوات، ودفع الاتحاد السوفيتي ثمن ذلك بملايين الأرواح .
الخلاصة: صحيح أن السوفييت تعلموا وتطوروا لاحقًا، خاصة بعد منتصف الحرب حين استعادوا توازنهم وتمكنوا من خداع الألمان في معارك كبرى . ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن أساتذة اللعبة هم الألمان. فهم الذين اخترعوا أساليب الخداع الاستخباراتي الحديث، ووضعوا نظرياته، وطبقوه أولًا. كانوا روادًا في استخبارات الإشارات (SIGINT)، ونجحوا في كسر شفرات الحلفاء . كانوا متقدمين في جمع المعلومات الاستخباراتية البشرية (HUMINT) . ولو لم يتغلب جنون هتلر على عقلانيته ، ولو لم يفرض عليهم الأيديولوجيا النازية أن يروا العالم كما يريدون لا كما هو، لكانت النتيجة مختلفة
.ما حدث أن الألمان سبقوا العالم في فن الجوسسة، لكنهم خسروا الحرب لأنهم صدقوا أكاذيبهم، ورفضوا تصديق ما كان واضحًا من عجز السوفييت أو قوتهم حينا بعد حين . لكن هذا لا يقلل من أنهم كانوا المعلّم الأول. كل الدول بعد الحرب — أميركا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي — درست ملفات الأبفير والأمن الألماني ، واستفادت من تجاربهم، وتعلمت على أيديهم، حتى لو لم تعترف بذلك صراحة .
حرب الجوسسة في الحرب العالمية الثانية أثبتت أن الألمان كانوا في المقدمة — مؤسسين، منظّرين، ومنفّذين. والسوفييت، للأسف، دفعوا ثمن غرورهم وإهمالهم قبل أن يتعلموا من أخطائهم، وكان درسهم الأول على يد أساتذتهم الألمان. التاريخ لا يرحم من يتجاهل دروس من سبقه، والألمان كانوا خير مثال على أن التقدم في فن الجوسسة لا يكفي وحده، بل لا بد من عقلية واعية تستمع للاستخبارات قبل أن تندفع نحو الهلاك



إرسال التعليق