شنقار باب الرواح .. ذاكرة الحجر وسيرة المدينة في تلمسان

في قلب تلمسان، حيث تتعانق الذاكرة مع الأسطورة، يقف (باب الرواح) المعروف محليًا باسم “الشنقار” شامخًا كواحد من أقدم الشواهد المعمارية التي تختزل تاريخ المدينة وتروي فصولها الصامتة.
هذا الباب ليس مجرد مدخل حجري فقط، بل هو وثيقة قائمة بذاتها، نُقشت على جدرانها حكايات القوة، التحصين والتحول الحضاري الذي شهدته تلمسان عبر قرون طويلة.
ويرجع تأسيس باب الرواح إلى عهد بني يفرن، الذين يُعدّون من أوائل الحكام الذين أسّسوا ملامح تلمسان السياسية والعمرانية، وشكّل هذا الباب جزءًا أساسيًا من النظام الدفاعي الذي اعتمدوه، حيث لم تكن الأبواب مجرّد منافذ عبورحينذاك ، بل أدوات استراتيجية لضبط الأمن وحماية المدينة.
ومع تعاقب الدول على حكم تلمسان، من الدولة الرستمية إلى الدولة الزيرية، ثم الدولة المرينية والدولة الزيانية، ظلّ باب الرواح قائمًا، شاهدًا على التحولات السياسية والعسكرية التي مرّت بها المدينة، دون أن يفقد هويته أو رمزيته.
ويقع الباب ضمن الأسوار القديمة التي كانت تحيط بمدينة تلمسان، تلك الأسوار التي لم تكن مُجرّد حدود جغرافية، بل كانت تعبيرًا عن سيادة المدينة واستقلالها، وقد لعب باب الرواح دورًا محوريًا في تنظيم حركة الدخول والخروج سواء للتجار أو المسافرين أو حتّى الجيوش.
وكانت هذه الأبواب تُغلق عند حلول الليل في طقس يومي يعكس صرامة النظام الحضري آنذاك، ويؤكد على أهمية الأمن داخل المدينة المسوّرة.
باب الرواح يتميّز بطابعه المعماري الإسلامي، حيث تتجلى فيه سمات الأقواس، سماكة الجدران، واستخدام الحجر المحلي.
وتصميمه يعكس فلسفة دفاعية واضحة تقوم على المتانة والبساطة في آن واحد بعيدًا عن الزخرفة المُفرطة.
فكل زاوية فيه تحكي عن عقلية هندسية كانت ترى في الجمال وظيفة وفي الصلابة ضرورة، وهو ما يُفسّر بقاءه صامدًا رغم تعاقب العصور.
حيث لا يمكن الحديث عن باب الرواح دون استحضار رمزيته العميقة في الوجدان المحلي، فهو ليس مُجرّد أثر بل هو شاهد حيّ على صُمود المدينة وقدرتها على مقاومة التحوّلات دون أن تفقد روحها.
وقد ارتبط اسم “الشنقار” في الذاكرة الشعبية بحكايات وأساطير محلية ما جعله يتجاوز كونه معلمًا أثريًا ليصبح جزءًا من الهوية الثقافية لتلمسان.
لكن ورغم قيمته التاريخية والمعمارية، يُواجه باب الرواح تحديّات تتعلّق بالحفاظ والصيانة، شأنه شأن العديد من المعالم الأثرية في المدن العتيقة، وهو ما يطرح ضرورة إدماجه ضمن مشاريع ترميم جادّة تُحافظ على أصالته دون أن تفقده روحه.
ولا يكتمل الحديث عن باب الرواح دون الإشارة إلى شبكة الأبواب التاريخية التي تزخر بها تلمسان، مثل: باب العقبة، باب الحلوي، باب الجياد، باب القرمدين إلخ، هذه الأبواب مُجتمعة تشكّل خريطة تاريخية مُتكاملة تعكس عظمة المدينة وتنوع مراحلها الحضارية.
فباب الرواح ليس مجرد بقايا من الماضي، بل هو جسرٌ بين زمنين، بين مدينة كانت تُبنى بالحجارة والإرادة ومدينة تبحث اليوم عن ذاتها في مرايا التاريخ.
إنه دعوة مفتوحة لقراءة تلمسان من جديد لا كفضاء جغرافي فحسب بل كحكاية ممتدة ولا تزال تُكتب على جدرانها العتيقة.
ففي صمت هذا الباب تكمن ضوضاء قرونٍ من الحياة.
( نوميديا جروفي)



إرسال التعليق