خديعة الحياد واغتيال السياق.. هندسة الغضب
بشار مرشد
في عالم الصحافة الحديثة وتنوعها المتسارع، لا تُقتل الحقيقة دائماً بالكذب الصريح، بل تُغتال أحياناً بـنصف الحقيقة حيث يبرز اليوم نمط من صيادي ومقتنصي التصريحات الذين يرتدون قناع الحياد المزيّف، ويتخذون من نقل الأقوال حرفياً وسيلةً لمآرب غير مهنية.
إنهم لا ينقلون الخبر ليضيئوا وعي القارئ، بل يقتطعون الكلمة من سياقها ليرموا بها في أتون الصراعات ، محولين المنصات الإعلامية إلى “ساحات تلاسن وتعزيز الشتائم ومختبرات لتوليد الكراهية.
هندسة الغضب:
لا يمارس هذا النوع من مدعي الحياد عمله بعفوية، بل هي عملية هندسة اجتماعية دقيقة. حيث تبدأ الخديعة باختيار تصريح لشخصية جدلية أو صاحب رأي مخالف لتوجه ذلك الجمهور المتعطش، ثم يتم انتزاع هذا التصريح من سياقه الموضوعي أو الزمني، ووضعه في برواز واطار من العناوين التي توحي إلى الاستفزاز.
إن الهدف هنا ليس تقديم معلومة، بل استدعاء الضحية إلى المقصلة الرقمية. ويدرك هذا المدعي يقيناً أن جمهوره لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليفرغ شحنات الغضب في ذلك المذبح؛ فيقوم بتقديم الوليمة (التصريح) وينسحب بهدوء الخبث خلف عبارة نحن مجرد ناقلين، تاركاً الساحة لجيوش الشتائم والتهكم. إنها ليست صحافة اونقل معلومة، بل هو انحراف اخلاقي لإعلام يتاجر بمشاعر الجماهير ويبيع كرامة الأشخاص مقابل حفنة من الاعجابات وعقود الإعلانات التي تزداد كلما زاد منسوب الكراهية في التعليقات.
الهامش المسموم وتبييض الأجندات خلف الشاشات:
لا تكتمل فصول هذه الخديعة إلا بالنظر إلى تلك المساحات الرمادية التي يتحرك فيها بعض العاملين في القنوات الفضائية، أو تلك الصفحات التي تتلحف بأسماء مؤسسات إعلامية كبرى أو بعض الدول والأحزاب والتيارات، إنهم يتخذون من فضاء التواصل الاجتماعي هامشاً قذراً لطرح ما لا تجرؤ القنوات الرسمية على بثه التزاماً بحد أدنى من المعايير أو خوفاً من المساءلة القانونية.
هنا، يتحلل الصحفي المدعي من وقار الشاشة، ليتحول على منصات التواصل إلى محرض جوال ينشر التصريحات المبتورة، ويغذي الصراعات، ويمارس اغتيال الشخصية بدم بارد، مستفيداً من اسم القناة التي تمنحه الشرعية ومن حرية السوشيال ميديا التي تمنحه الفوضى. إنها عملية توزيع أدوار خبيثة فالقناة للحفاظ على المظهر الدبلوماسي، والصفحات الشخصية والهوامش الرقمية لإدارة حروب الشوارع الإلكترونية.
التزييف واغتيال الوعي الجمعي:
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد سقطات مهنية عابرة، فالتخوف هو أن تصبح جائحة إعلامية عابرة للحدود، تغذيها خوارزميات ومنصات تواصل باتت تمنح المحرض مكبر صوت لا يملكه الحكماء. ومع انفجار أدوات التزوير المرئي والمسموع، ودخول الذكاء الاصطناعي على خط تزييف الحقائق واختلاق التصريحات، أصبحنا أمام ماكينة إعدام فتاكة لوعي الشعوب.
هذا التطور التقني، حين يقع في يد ببغاوات النقل ومدعي الصحافة، حيث يتحول إلى خنجر مسموم يمعن في تمزيق جسد الأمة الذي أنهكه التفرق والتشرذم أصلاً. فإن سرعة انتشار هذه الأكاذيب والمقاطع المبتورة تعمق الكراهية وتحول الانقسام المجتمعي إلى حفرة سحيقة من الحقد المتبادل.
الخاتمة:
وهنا السؤال المرير كيف لأمةٍ تئن تحت وطأة التشرذم أن تواجه مثل تلك الجائحة من التزييف الرقمي وهي ترزح تحت وطأة تخلف ثقافي ومجتمعي يجعل من اللايك والاعجاب قيمةً أسمى من الحقيقة، ومن الشتيمة دليلاً على الانتماء.
إن استعادة الوعي لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي معركة وجود؛ فإما أن نصنع سداً ثقافياً يوقف هذا الانحدار، أو أننا سنبقى وقوداً لنارٍ يشعلها مدعو الحياد بدمٍ بارد، في جسد أمةٍ لم تعد تحتمل مزيداً من الطعنات.
إن السد الثقافي المنيع يبدأ بكلمة لا؛ لا للاستدراج خلف العناوين المستفزة، ولا لتصديق أنصاف الحقائق. إذا توقف الجمهور عن منح اللايك للمحرضين، ستجف منابع تمويلهم وتنهار منظومة التجارة بالكراهية.



إرسال التعليق