ايران ستتغير مهما كانت نتيجة الحرب

الرصاصة الأخيرة: الجمهورية الإسلامية والميليشيات

سمير عادل

إذا نجت الجمهورية الإسلامية في إيران كنظام سياسي وعقائدي وإيديولوجي واجتماعي من الحرب الدائرة اليوم بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فإنها لن تشبه الجمهورية الإسلامية كانت قبل الحرب، إلا من حيث الشكل، وهذا أيضًا محل شك.

فمن يتابع مسار تجميد الحجاب الإجباري في إيران—وهو أحد أركان هوية الجمهورية الإسلامية ومسألة جوهرية في عقيدة وأيديولوجية الإسلام السياسي—يجد أن القرار جاء بشكل رسمي وعلني في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، من قبل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، وصادق عليه مجلس الأمن القومي الإيراني، الذي اغتيل رئيسه قبل أيام، علي لاريجاني. وقد جاء هذا القرار بعد الحرب التي عُرفت بـ«حرب الاثني عشر يومًا» في حزيران من العام نفسه، أي بعد نحو أربعة أشهر تقريبًا.

ما نود قوله هو أن الحروب، تضرب الجذور الاجتماعية والسياسية في المجتمعات، سواء على مستوى الأنظمة الحاكمة أو القوى السياسية الفاعلة فيها، كما تسهم في إحداث تفكيك جزئي أو كلي للعقليات السائدة، وتفتح آفاقًا جديدة—بغض النظر عن طابعها، أكان رجعيًا أم تقدميًا—وتُحدث تحولات عميقة في بنية المجتمع وروح الجماهير.

وإذا ما بقينا في إيران، فصحيح أنّ هناك احتجاجاتٍ متكرّرة، بل وصلت في بعض مراحلها إلى مستوى الانتفاضات—إن صحّ التعبير—من أجل الحرية، وضدّ الاستبداد والفقر والعوز. ولا سيّما الاحتجاجات التي مزّقت الحجاب، وعمّقت النقاشات و الجدالات الدائرة حول حقوق النساء وحريتهن، مع إقدام نساء إيران على نزع حجابهنّ بشكلٍ علني. وقد جاءت هذه التطورات عقب مقتل مهسا أميني تحت التعذيب، عقابًا على عدم ارتدائها الحجاب عام 2022.

إلّا أنّ الحرب التي خاضتها الجمهورية الإسلامية مع إسرائيل، وانضمّت إليها لاحقًا الولايات المتحدة الأمريكية، كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، إذ وضعت علامة استفهام كبيرة حول استمرار الجمهورية الإسلامية كمنظومة سياسية وعقائدية وأيديولوجية واجتماعية.

إنّ الانتصار في أي حرب يفترض، من بين مقوّماته الأساسية، انسجام ووحدة الجبهة الداخلية للمجتمع. وفي الحالة الإيرانية، كانت الجمهورية الإسلامية تحاول الحفاظ على نقائها الأيديولوجي وبقاء وجودها السياسي عبر مستويين في آنٍ واحد: أولهما، التجهيل والتضليل السياسي للجماهير؛ وثانيهما، الاستبداد والقمع.

أمّا فيما يتعلّق بالمسألة الأولى، فبعد سبعةٍ وأربعين عامًا، فشلت الجمهورية الإسلامية في إخضاع المجتمع لهذا النهج. وكما عبّر عن ذلك محمد باهنر، عضو مجلس تشخيص النظام، في دفاعه عن قرار تجميد الحجاب، حين أشار إلى أنّ نسبة المتديّنين لا تتجاوز 10%، بينما لم تتمكّن السلطة من تضليل 90% من المجتمع، الذين—بحسب تعبيره—«يريدون أن يعيشوا حياتهم». وهذه الفئة الأخيرة حُكمت عبر الوسيلة الثانية، أي الاستبداد والقمع.

معيار الانتصار في الحرب الجارية:

لا شكّ أن القدرات العسكرية لإيران لا تضاهي، بأي حال، القدرات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها قوة عظمى تمتلك أكبر وأقوى ترسانة عسكرية وأضخم ميزانية دفاعية في العالم. ويُضاف إلى ذلك إسرائيل، التي تُعدّ من الدول القليلة التي تمتلك إمكانيات تكنولوجية متقدمة في المجالين العسكري والاستخباراتي، بل وتتفوّق في بعض الميادين.

لذلك، فإن المعيار الكلاسيكي للانتصار في هذه الحرب لا يتمثّل في هزيمة الجيوش وسحقها أو احتلال الأراضي، بل يتخذ بُعدًا سياسيًا، كما أوضحنا بالتفصيل في مقال سابق بعنوان (سيناريوهات الهزيمة).

بالنسبة لإيران، يتمثّل معيار الانتصار في بقاء النظام السياسي، ولو شكليًا. ومن هنا، يسعى النظام إلى تبنّي سياسة الأرض المحروقة، ولكن بصيغة مختلفة؛ وهو ما يتجلّى في عدم المبالاة باستهداف المقدّرات الاقتصادية في بلدان المنطقة، ورفض الإذعان لأي ضغوط سياسية أو للعزلة الدولية، رغم إدانة مجلس الأمن الدولي و136 دولة للهجمات الإيرانية.

فالحرب الدائرة، من منظور النظام الإيراني، هي حرب وجود؛ لذلك يستخدم مختلف أنواع الصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء في استهداف المناطق المدنية أو العسكرية لدول المنطقة، كما يلوّح بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمدّ العالم بنحو 20% من احتياجاته من الطاقة، في محاولة للضغط على المجتمع الدولي ودفعه إلى التأثير على الولايات المتحدة لوقف الحرب.

وبالتوازي مع ذلك، يجري تصعيد الخطاب الديني؛ فقد دَشّن علي لاريجاني رئيس المجلس الأمن القومي هذا التوجّه عشية اغتياله بيوم، منتقدًا عدم نصرة إيران في هذه الحرب، ومستشهدًا بحديث النبي محمد: «من سمع رجلًا ينادي: يا للمسلمين فلم يُجبه فليس بمسلم… فأيّ إسلام هذا؟». ثم تعزّز هذا الخطاب في الرسالة المسجّلة الثانية للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، من زاويته الشيعية، حيث صوّرها على أنها حرب آخر الزمان، في استدعاءٍ للسردية المرتبطة بظهور المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر في المذهب الشيعي الجعفري.

وعلى الرغم من ذلك، حاول الخطاب في بعض فقراته ملامسة البُعد القومي، من خلال التذكير بعيد نوروز (رأس السنة الفارسية)، والدعوة إلى وحدة الأعراق والقوميات. وقد يكون هذا التصعيد في الخطاب الديني محاولةً أخيرة لتسويق فكرة الحرب باطار عقائدي وايديلوجي ومذهبي، سواء نجا النظام من هذه الحرب أم لم ينجُ.

الميليشيات والرمق الأخير:

ما تبقّى من أدوات لإيران في المنطقة، مثل حزب الله اللبناني والميليشيات الموجودة في العراق، ينتظرها مصيرٌ مشابه لمصير الجمهورية الإسلامية؛ إذ ترتبط بها ارتباطًا عضويًا عقائديًا وسياسيًا وماليًا وعسكريًا ومعنويًا. وإن ما تفعله، سواء في لبنان بإشعال حرب ضد إسرائيل، أو في العراق من خلال استهداف الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية ونشر الخوف والرعب في صفوف المجتمع ضاربة بعرض الحائط معيشة وسلامة الجماهير، يصبّ في الدفاع عن وجودها بقدر ما هو دفاع عن الجمهورية الإسلامية.

إنها لم تتحرك خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران من العام الماضي، لأنها لم تكن حربًا بالمعنى الذي يحدث اليوم. وعلى الأقل، وقفت الولايات المتحدة الأمريكية متفرجة على تلك الحرب، إلى أن تدخلت بضرب عدد من المنشآت النووية ليُعلن بعدها عن إيقافها. أما الحرب اليوم، فتعني نسف وجودها السياسي والعسكري، وإسدال الستار على مرحلة استغرقت اكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

إن هذه الميليشيات، سواء حزب الله في لبنان أو المجموعات المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي في العراق، تحاول الحفاظ على وجودها عبر حماية وجود “الجمهورية الإسلامية” والإبقاء عليها واستمرار نفوذها. لذا نجد أن حزب الله لا يبالي بالخسائر التي مُني بها الشعب اللبناني، حيث وصل عدد المشردين حتى الآن إلى أكثر من مليون شخص. وكذلك ما تفعله الميليشيات في العراق، إذ عطّلت الكهرباء وتدفق النفط، وأدّت إلى هجرة العديد من الشركات الأجنبية العاملة هناك نتيجة استهدافها.

يدرك الطرفان أن ميزان القوى ليس لصالحهما، لكن لا خيار آخر أمامهما. إنها الرصاصة الأخيرة في حرب الوجود او الرمق الاخير؛ فلا معنى لهوية “المقاومة والممانعة” عندما تسقط قلعتها، وحينها ستُحرم هذه القوى من امتيازاتها السياسية والمالية.

وإذا كان حزب الله قد أخذ جماهير لبنان رهينة، وخاصة في الجنوب الذي استطاع—عبر التمويل الإيراني—بناء حاضنة اجتماعية من خلال شبكات الزبائنية واستغلال غياب الدولة لعقود في تقديم الخدمات والتعليم، مما جعل جنوب لبنان بيئة خصبة لحمايته؛ فإن الميليشيات في العراق تفتقر إلى جذور اجتماعية راسخة. وقد شهدت احتجاجات تموز 2018 وانتفاضة أكتوبر 2019 هروب قادة تلك الميليشيات إلى إيران، وإحراق المحتجين لمقراتهم.

وبدعم إيراني، تعزّزت هذه الميليشيات واستفادت من التغلغل في المؤسسات الأمنية، وبنت ذراعًا عسكرية قوية تتمتع بإمكانات مالية وموازنات تستولي عليها بشكل قانوني من ميزانية الدولة. كما تمتلك هذه المؤسسات حتى مصانع للتصنيع العسكري داخل العراق، وتحديدًا في منطقة جرف الصخر جنوب بغداد ، التي تم تهجير سكانها وإحداث تغيير ديموغرافي فيها.

ما يهمّنا في هذا التحليل هو أن تداعيات هذه الحرب الدائرة اليوم لن تترك تأثيرها على إيران وجماهيرها وحدها، بل ستؤثر في مجمل جماهير المنطقة، التي هي غائبة اليوم عن الساحة السياسية بسبب الحرب الوحشية الرجعية الدائرة. وسيكون العراق أكثر بلدان المنطقة، بعد إيران، التي ستشهد تحولات سياسية على صعيد المعادلة السياسية، وكذلك على الصعيد الاجتماعي والحركات الجماهيرية، وستؤثر هذه التحولات في العقائد والسرديات الطائفية والقومية.

إن التضليل السياسي، ونشر الأوهام القومية، وتسويق فكرة الخلاص بـ”السوبرمان الأمريكي” ليحلّ محل “الحشد الشعبي” بوصفه “حامي شرف وأعراض العراقيين”، إلى جانب تسويق الخرافات المذهبية—كل ذلك، وبين ثناياه، ستبرز مساعٍ لتوسيع دائرة الفوضى الأمنية، وهو ما سيسود المشهد السياسي. وعلينا أن نكون مستعدين لمثل هذه السيناريوهات، لفضح هذه الأوهام ونسف الخرافات القومية والطائفية التي تمثل آخر أوراق هذه الجماعات التي عاثت فسادًا ودمارًا ونهبًا طوال هذين العقدين، إذ سلبت مقدرات الجماهير بفضل الغزو والاحتلال الأمريكي.

إرسال التعليق