غزوة الحديبية
غزوة الحديبية[1] من خلال نور اليقين 42 الحلقة الثّانية – معمر حبار
عيون خبيرة:
قال الكاتب: “ثمّ سار الجيش حتى وصل عسفان فجاءه عينه يخبره أن قريشا أجمعت رأيها أن يصدوا المسلمين عن مكة وألا يدخلوها عليهم عنوة أبدا، وتجهزوا للحرب وأعدوا خالد بن الوليد في مائتي فارس طليعة لهم ليصدّوا المسلمين عن التقدم” 186-187
أقول: الجيش القوي من يملك عيونا تخبره عن العدو. ليستعد لأيّ طارئ، وألاّ يكون عرضة لخسائر غير محتملة. وتقاس عظمة الدول بنوعية العيون التي تملكها، والمعلومات الدقيق والسّريعة التي يستحوذون عليها. وسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. لم تباغته قريش بجيشها. لأنّه كان يميلك عيونا ذات قدرات عالية. مكّنته من تجنّب مفاجآت لم تكن في الحسبان. ولعلّ هذه النقطة كانت من عوامل نصر المسلمين في غزوة صلح الحديبية، وقبل الشروع في المفاوضات.
معرفة الطرق ومباغتة العدة وحقن الدماء:
قال الكاتب: “فقال عليه السلام: هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله، فسار بهم في طريق وعرة ثم خرج بهم إلى مستو سهل يملك مكة من أسفلها” 187.
أقول: بالإضافة إلى العيون الخبيرة التي يملكها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. يملك سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّ. خبيرا في معرفة الطرق، وخبايا. فاستطاع أن ينقذ الجيش عبر طريق لم يكن في حسبان قريش، ولم تعدّ له عدّته. رغم أنّه ” طريق وعرة”. والعبرة بسلامة الجيش. وقد تحقّق هذا الهدف، ووصل الجيش سالما رغم التعب.
الهدف من التأكيد الاعتماد على خبير في الطرقات –في تقديري-، هو:
حقن دماء المسلمين، وتجنب ملاقاة جيش قريش. ليس خوفا إنّما الحفاظ على حرمة الدماء.
ظلّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. يحنّ لوطنه الأصلي قريش. وهدفه الأسمى أن يعود لوطنه الذي طرد منه دون دماء. وقد تحقّق هذا الأسمى.
واختيار سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. لطريق لم تكن قريش على على علم بها. هو مباغتة قريش. وفرض واقع ميداني يجعلها في موضع ضعيف، ولا يمكّنها من إحداث خسائر في صفوف المسلمين. ويجبرها على قبول واقع جديد لم تألفه، ولم تكن تسعى إليه. وعلى رأسه حقن دماء المسلمين الذي لم يكن في حسبانها، ولا ضمن أولوياتها.
قال الكاتب: “ولما كان عليه السلام بثنية المرار، بركت ناقته فقالوا خلأت القصواء فقال عليه السلام ما خلأت وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش لخصلة فيها تعظيم حرمات الله إلا أحببتهم إليها” 187
أقول: أمنية سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. المتمثّلة في: ” لا تدعوني قريش لخصلة فيها تعظيم حرمات الله إلا أحببتهم إليها”. جاءت بعد بثّ العيون، واختيار خبير الطرقات، والسّيطرة على مكان حسّاس من مدخل مكة، ومباغتة قريش. ولم يكن عن ضعف، ولا استسلام. فالعدو لا تمنحه شيئا إلاّ بقدر أن يمنحك عن ضعف، وحاجة، وعدم قدرة على إلخاق الخسائر. وهذا بالفعل ما قام به سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وتحقّق له ما أراد. ما يدل على عظيم العيون المناسبة، وخبير الطرقات. وقت الحرب، والسلم، والمفاوضات.
الخميس 28 رمضان 1447هـ، الموافق لـ 19 مارس 2026
الشرفة – الشلف – الجزائر



إرسال التعليق