أستاذ متفرّس وثلاثة تلاميذ لا يقبلون التجزئة[ ربّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد ]
- رشيد مصباح (فوزي)
في زمن صار فيه الحديث عن تراجع المستوى التعليميّ متلازمة، تتردّد على الألسن دون أن تبلغ عمق الداء، يبقى السؤال معلّقا: أين الخلل؟
قد تُلقى التُّهم على قسوة الظروف، وعلى ضيق حال المعلّم، لكن الحقيقة التي نتغافل عنها كثيرا هي أنّ الأخلاق كانت، يوما ما، ولا تزال عماد التعليم وروحه.
نحن، أبناء فجر الاستقلال، لم نتلقَّ العلم فحسب… بل تربّينا.
نشأنا على أيدي جيل لم يكن يقيس رسالته بميزان “الشّهرية”، ولا يختزل دوره في آخر الشهر. جيلٌ صقلته صرامة المدرسة الكولونيالية، فخرج منها أكثر التزاما، وأشدّ وفاء لرسالته. جيلٌ كان يُدرّس بعقله… ويُربّي بقلبه.
كان الأستاذ [السّاسي ناچة] واحدا من أولئك الذين لا يتكرّرون.
قبل أن يصبح خبيرا محاسبا، كان أستاذا للغة الفرنسيّة بملحقة ثانوية ”محمد السعيد الورتلاني“ بسدارتة في أواخر السبعينياّت ومطلع الثمانينيّات. هناك، حيث كُنّا فتيانا مشاغبين، لا نعرف من الحياة إلا ضجيجها، كان هو يعرف كيف يصنع من الفوضى تآلفا… ومن التمرّد بداية طريق.
ثم فرّقت بيننا الأيام، كما تفعل دائما.
ومضى كلٌّ منّا في دربه، نجرّ معنا ما تبقّى من تلك الذاكرة.
إلى أن جاءت الصدفة… تلك التي لا تُستأذن.
في ليلة مقمرة، بمكان يُدعى ”فاطمة السّودة“ بوادي الكبريت، شاءت الأقدار أن تتقاطع الطرق من جديد. لم نكن على موعد، ولم نكن نخطّط للقاء. وحين التقت عيناي بعينيه، وهو جالس بين الحضور، انفلتت منّي عبارة: ”ربّ صدفة خير من ألف ميعاد.“ ، كما لو أنّها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ سنين.
كانت جملة صغيرة… لكنها كانت أكبر من اللّحظة ذاتها.
فقد التقينا عليها، وكأنّ الزمن أعاد ترتيب نفسه ليفتح لنا نافذة من الماضي.
تراءى لي وجهه كأنّه ”لؤلؤة في ليلة بدر“، هو ذاته الأستاذ الذي تعلّمنا على يديه التواضع واللّباقة، ونُبل المعاني. ولم يكن الفرح في عينيه أقلّ من الذي سكن قلبي في تلك الأمسية.
ومع مرور الأيام، صار جسرا أعاد وصل ما انقطع، ولم يعد ذلك اللّقاء مجرّد ذكرى… حتى غدت العلاقة صداقة تتجاوز حدود الأستاذية.
وفي زيارة لاحقة، قرّرنا نحن الثلاثة: أنا و صديقاي: محمد شادلي، وعبد الرحمن المدعو”بيشو“ عجّل الله بشفائه، أن نطرق بابه من جديد، هذه المرّة في مكتبه وسط مدينة سدراتة.
عدنا كما كنّا… ثلاثة مشاغبين، لكن بقلوب أكثر امتنانا هذه المرّة.
طرقنا الباب، وكسرنا سكون المكان بأصواتنا، كما كنّا نفعل في زمن مضى. فتحت لنا إحدى مساعداته، وبدا عليها شيء من الدهشة، قبل أن تبتسم حين أدركت أنّنا لسنا زوّارا عابرين. مازحناها، فسهل علينا الدخول… كما كانت تفعل براءة التلاميذ قديما.
دخلنا عليه، فنهض كأنّه يستقبل جزءا من ماضيه.
استقبلنا بابتسامته التي لم يغيّرها الزمن، إلّـا أنّها ازدادت وقارا. فتح ذراعيه، واحتوانا كما يحتضن الأب أبناءه بعد غياب طويل. ثم دعانا إلى الجلوس، غير عابئ بما كان ينتظره من التزامات.
نادى موظّفته، وقدّمنا لها بنبرة امتزج فيها الفخر بالحنين: ”هؤلاء تلامذتي الثلاثة… لا يقبلون التجزئة.“ ثم أضاف بالفرنسية: [indissociable].
ابتسمت الفتاة، وهمّت بالانصراف، لكن الأستاذ كعادته لم يكن ليفوّت لحظة كهذه. طلب منها أن تلتقط لنا صورة بهاتفه. لم يكن يريد صورة عابرة، بل أراد أن يثبّت الزمن، ولو لثوان.
فكانت صورة… لكنها في الحقيقة كانت أكثر من ذلك: كانت حكاية، ووفاء، ودرسا لا يُدرَّس.
وهنا فحسب فهمنا أنّ ما ينقص التعليم في هذه الأيّام هي تلك الأخلاق و تلك الأرواح.
أرواحٌ كانت ترى في التلميذ مشروع إنسان، لا رقما في سجل.
غير أنّ للأقدار كلمتها الأخيرة…
فبينما كنتُ أنا وعبد الرحمن في طريق عودتنا إلى مداوروش، بعد زيارة قادتنا إلى سدراتة، نستعيد فيها شريط الذكريات، ونستحضر تفاصيل الأيام الخوالي: هنا مشينا، وهنا جلسنا، وهنا انتظرنا طويلًـا تلك الحافلة الصغيرة، نُثقل الوقت بضحكاتنا، ونشكو تأخّرها وسائقها ”سي لعلى“، رحمه الله، الذي كانت حافلته لا تكاد تخلو من الأعطاب.
فجأة، جاء الخبر…
خبرٌ لم يكن في الحسبان، هتف لي ”بيشو“؛ هاتفًا كأنّه صاعقة تقطع حبل الحنين: ”لقد اختطفت المنية روح ذلك الأستاذ… الصديق.“.
في لحظة واحدة، تحوّلت الذكريات من دفء يُؤنس القلب… إلى وجعٍ ثقيل.
وأدركنا، متأخّرين، أنّ بعض اللّقاءات ليست سوى وداع مؤجّل، وأنّ بعض الصّدف الجميلة… ليست إلا رحمة أخيرة يمنحها القدر قبل الغياب.
رحل الجسد… وبقي الأثر.
وسنبقى نحن…
ثلاثة تلاميذ لا يقبلون التجزئة، نحمل من علّمنا كيف نكون… ونمضي.
رحمك الله يا أستاذ وطيّب ثراك.



إرسال التعليق