نهاية دبي كمركز اقتصادي عالمي .. كيف كبرت دبي و هل تنهار ؟

د موفق عاصم

دبي كمركز تجارة عالمي كبير ، و ملاذ أمن للأموال القادمة من كل قارات العالم و مركز اقليمي للشركات العالمية ، و ملتقى طرق مالي و تجاري قد تنتهي الى الأبد ، و تفقد كل قيمة لها ، لقد قامت دبي من البداية بفضل رأس مال أجنبي رأس مال من تجار ايرانيين و هنود و قد تنتهي المدينة بسبب ايران قبل سنوات طويلة قال الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم “جدي كان يركب الجمل، وأنا أقود سيارة، ولو لم نبنِ المستقبل سيعود أحفادنا للجمال.”

ويبدو لأن نبوءة الشيخ راشد وقعت بالفعل ، ففي غضون اقل من أسبوعين غادر موظفوا عشرات الشركات الكبيرة المدينة ، و على الأغلب لن يعود الكثير منهم اليها ، بسبب عدم اليقين ، لقد ساهمت سياسة الامارات الخارجية في تدمير الاقتصاد في دبي و في الامارات ، اهم و اخطر أسباب نجاح تجربة دبي قد تكون نفسها اسباب انهيار اقتصادها .

قبل 200 ينة كانت Dubai تجمع صغير يقع حول خور طبيعي في الخليج. السكان عاشو في المنطقة على صيد السمك واللؤلؤ والتجارة البحرية البسيطة. في سنة 1833 استقر حوالي 800 شخص من قبيلة بني ياس بقيادة الشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم في المنطقة ، ومنذ هذا التاريخ بدأت سلالة آل مكتوم حكم دبي .
مع بداية القرن العشرين حصلت أول خطوة اقتصادية جريئة فعلًا. في 1901 أعلنت دبي نفسها ميناء حر، خطوة كانت ذكية جدًا في وقت كانت فيه الضرائب تخنق التجارة في موانئ المنطقة. هذا القرار جذب تجار من إيران والهند والعالم العربي، وبدأت دبي تتحول تدريجيًا لمركز تجارة مفتوح. من هنا بدأت أول ملامح شخصية المدينة الاقتصادية: دبي كميناء تجارة عالمي.
لكن الأمور كانت صعبة . في الثلاثينيات وقع الانهيار الكبير لتجارة اللؤلؤ بسبب ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني والكساد الاقتصادي العالمي. وهذا ضرب اقتصاد الخليج كله تقريبًا. وقتها اضطر تجار دبي الى تغيير نشاطهم ويتحولوا لتجارة إعادة التصدير والذهب والمنسوجات. ومن هذه اللحظة بدأت تتشكل فلسفة اقتصادية ستلازم دبي الى اليوم : البقاء من خلال التجارة العالمية، لا الموارد الطبيعية.
التحول الأكبر وقع بعد اكتشاف النفط في دبي سنة 1966 في حقل فتح، وبدأ التصدير سنة 1969. لكن المفارقة إن احتياطي النفط في دبي كان محدود مقارنة بأبوظبي. هنا ظهر دور الحاكم التاريخي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، اللي فهم في وقت مبكر إن النفط لن يكفي لبناء مستقبل طويل.
الشيخ راشد قرر استخدام عائدات النفط كأنها رأس مال تأسيسي لبناء اقتصاد جديد. خلال أقل من 20 سنة حصلت طفرة بنية تحتية ضخمة: إنشاء مطار دبي الدولي وتوسعته، بناء ميناء راشد سنة 1972، وبعده ميناء جبل علي سنة 1979 الذي اصبح أكبر ميناء صناعي من صنع الإنسان في العالم. ومع شبكة طرق ومناطق صناعية ضخمة. هذه الخطوات حولت دبي تدريجيًا لمركز لوجستي عالمي.
المفارقة اليوم هي أن النفط اللي بدأ القصة اصبح تقريبًا خارج المعادلة. النفط النفط يمثل أقل من 1٪ من اقتصاد دبي، بينما القطاعات غير النفطية تمثل أكتر من 95٪ من الناتج المحلي. في 2023 وصل الناتج المحلي للإمارة لحوالي 429 مليار درهم، يعني حوالي 117 مليار دولار.
بعض الباحثين الاقتصاديين يقولون إن دبي ليست مجرد مدينة… لكنها أقرب لفكرة “دولة بتدار بعقلية شركة”. الفكرة الأساسية في النموذج ده كانت واضحة: جذب رأس المال العالمي بأي وسيلة ممكنة.
واحدة من أهم الأدوات كانت المناطق الحرة. أول منطقة حرة كبيرة انجزت في جبل علي سنة 1985، و اليوم فيها أكثر من 9500 شركة دولية. الشركات هناك لديها امتيازات مغرية جدًا: ملكية أجنبية كاملة 100٪، إعفاءات ضريبية، وحرية تحويل الأرباح للخارج.
مع البنية التحتية القوية تحتوي دبي اليوم على واحد من أكثر مطارات العالم ازدحامًا، وأكبر ميناء في الشرق الأوسط، وشركات طيران عالمية مثل Emirates. النتيجة إن دبي اصبحت مركز إقليمي لمعظم الشركات العالمية العاملة في الشرق الأوسط.
كما أن التركيبة السكانية في دبي نفسها تعكس هذا النموذج أكتر من 90٪ من سكان المدينة أجانب قادمين من كل أنحاء العالم. خلال أقل من 40 سنة فقط ادت الى تحول دبي لواحدة من أهم مراكز الخدمات واللوجستيات في العالم.
لهذا تم دامئا تشبيه دبي بمدينة Hong Kong 🇭🇰. بعض الباحثين يسميها فعلًا “هونج كونج الشرق الأوسط”. المدينتين مدن مبنية على نفس الفكرة تقريبًا: موقع استراتيجي، ضرائب منخفضة، اقتصاد قائم على التجارة والخدمات المالية، وسكان أغلبهم مهاجرين.
هونج كونج كانت بوابة الصين للعالم، ودبي اصبحت بوابة الشرق الأوسط وأفريقيا. بعض الدراسات تقول انه حتى عن محور اقتصادي غير رسمي اسمه Dubai–Hong Kong corridor، يعمل كجسر بين رؤوس الأموال الآسيوية والأسواق في أفريقيا والشرق الأوسط.
لكن مع النجاح الكبير دائما بيظهر الجدل. واحدة من أكثر الاتهامات المتكررة ضد دبي إنها ملاذ لغسل الأموال. السبب إن المدينة توفر عوامل تجذب رأس المال بسرعة: ضرائب منخفضة، سوق عقارات مفتوح للأجانب، تجارة ذهب ضخمة، ومناطق حرة تسمح بتأسيس الشركات بسهولة.
بعض الدراسات الأكاديمية فعلاً أشارت إن بعض الشبكات المالية غير المشروعة تستغل التجارة أو العقارات في الإمارات لإخفاء الأموال. لكن في المقابل الحكومة الإماراتية بتقول إنها شددت قوانين مكافحة غسل الأموال وبتتعاون مع المؤسسات الدولية زي FATF.
والحقيقة إن الاتهام ليس جديد على المراكز المالية العالمية. نفس التهم وجهت في السابق لـ سويسرا ولندن ونيويورك في فترات مختلفة من التاريخ.
لو نظرنا الى صعود دبي سنجد انه لم يكن مشروع محلي فقط بل توجد عوامل دولية ساعدت على نجاح التجربة. في القرن التاسع عشر مثلًا عقدت الإمارات الساحلية سلسلة اتفاقيات مع بريطانيا لتأمين الملاحة في الخليج، و هذا وفر استقرار سياسي مبكر للتجارة.
كمان رأس المال الآسيوي لعب دور مهم. تجار إيران والهند كانوا من أوائل اللي حولوا دبي لمركز تجاري نشط. بعدها دخلت الشركات متعددة الجنسيات اللي استخدمت دبي كمكتب إقليمي لإدارة أعمالها في الشرق الأوسط.
كل هذا حدث في توقيت مناسب جدًا مع موجة العولمة بعد الحرب الباردة، التي حولت دبي الى مركز خدمات عالمي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
طبعًا مع أي ظاهرة اقتصادية كبيرة تظهر نظريات مؤامرة. البعض يقول إن دبي مشروع غربي أنجز من أجل ان يكون بديل لبيروت كمركز مالي في الشرق الأوسط بعد الحرب الأهلية اللبنانية. آخرين يقولون إنها نسخة حديثة من هونج كونج لها مهمة ان تكون منصة للمال العالمي خارج القيود السياسية.
وفي نظرية ثانية تقول إن المدينة تحولت لملاذ لرؤوس الأموال السياسية الهاربة من دول تعاني اضطرابات. لكن معظم المؤرخين الاقتصاديين يعتقدون أن التفسير الحقيقي أبسط من هذا بكثير : مزيج من رؤية سياسية ذكية وظروف عالمية مناسبة.
ومع كل النجاحات دي، دبي مرت بلحظة كادت تنهي الحلم. في الأزمة المالية العالمية سنة 2008 واجهت الإمارة أزمة ديون ضخمة، وكادت بعض شركاتها الكبرى تعلن تعثرها. في اللحظة دي تدخلت أبوظبي بحزمة دعم تقارب 20 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد.
الأزمة كشفت إن نموذج دبي قائم بدرجة كبيرة على الديون والاستثمار العالمي، لكنه في نفس الوقت أثبت قدرة المدينة على التعافي بسرعة. بعد سنوات قليلة رجعت دبي مرة تانية كمركز مالي وسياحي عالمي.
في النهاية، تجربة دبي مش معجزة اقتصادية خالصة، ولا مؤامرة دولية زي ما البعض بيحب يصورها. الحقيقة إنها نموذج لمدينة استغلت موقعها الجغرافي بين ثلاث قارات.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك