لالة خداوج.. العمود الخفي في دراما المخرج جعفر قاسم..
في الأعمال الدرامية التاريخية والاجتماعية، كثيرًا ما تُمنح البطولة للشخصيات الصاخبة: الثائر، العاشق، الضحية، أو المرأة المتمردة، لكن بعض الشخصيات الأكثر عمقًا لا تأتي من الضجيج، بل من الصمت.
ومن هذا الصمت بالتحديد تنبثق شخصية لالة خداوج في مسلسل فاطمة، تلك الشخصية التي تبدو للوهلة الأولى هامشية أو ثانوية، لكنها في الحقيقة تُمثّل أحد الأعمدة النفسية والاجتماعية التي يستند إليها البناء الدرامي للعمل.
إنّ خداوج ليست شخصية تُصاغ بالحدث، بل بالشعور.
هي ليست محركًا للأحداث بقدر ما هي حارسٌ خفيّ لتوازن العالم الداخلي للشخصيات الأخرى.
من الناحية الدرامية، تمثل لالة خداوج نموذجًا مركزيًا للمرأة الجزائرية التقليدية التي كانت تقف في قلب البيت بوصفها ضميرًا أخلاقيًا غير معلن.
هذه المرأة لم تكن صاحبة القرار الظاهر، لكنها كانت الحارس الصامت للقيم والتوازن والحدود.
إنها شخصية تنتمي إلى ما يُمكن تسميته بالسلطة الأخلاقية غير المرئية.
فخداوج لا تفرض حضورها بالصّوت المرتفع أو بالمواجهة المباشرة، بل بنوع من الهيبة الهادئة التي تجعل الآخرين يشعرون بوجودها حتى في لحظات الصمت.
وهذا ما يجعلها دراميًا أقرب إلى “العمود الخفي” داخل البيت:
إنها ليست الجدار الذي يُرى، بل الدعامة التي تمنع السقف من الانهيار.
فأحد أهم عناصر قوة شخصية خداوج هو التناقض الداخلي الذي تحمله.
فالمرأة التي تبدو صارمة، حازمة، وأحيانًا قاسية في تعاملها مع فاطمة ومريم، ليست في الحقيقة إلا شخصية تتحرك بدافع الخوف العميق.
هذا الخوف ليس ضعفًا، بل شكلًا من أشكال الحب.
إنه الحب الذي لا يعرف كيف يعبّر عن نفسه بالكلمات، فيتحوّل إلى يقظة دائمة وإلى حذر يكاد يلامس القسوة.
في التحليل النفسي للشخصية، يمكن القول إن خداوج تمثل نموذج الأم البديلة.
امرأة لم تنجب، لكنها تحمل داخلها طاقة الأمومة كاملة فتجد نفسها تحرس الآخرين وكأنهم امتداد لقلبها.
وهنا يكمن جوهر التوتر الدرامي في الشخصية:
فهي تحب لكنها لا تقول ذلك،تخاف لكنها لا تسمح للخوف أن يظهر،وتحنّ، لكنها تختبئ خلف قناع الوقار.
إنها شخصية تتكلم بلغة غير منطوقة الاقتصاد التعبيري في الأداء ما جعل هذه الشخصية تنبض بهذا العمق هو الأداء الدقيق للفنانة حورية بهلول التي تعاملت مع الدور بحسّ تمثيلي قائم على الاقتصاد التعبيري.
فالأداء هنا لا يعتمد على الانفعال الكبير أو الحوار الطويل، بل على التفاصيل الدقيقة:
نظرة العين حين يمر الخطر.
توقف الصوت لحظة قبل الكلام.
حركة اليد حين تحاول إخفاء القلق.
الصمت الذي يسبق النصيحة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت الشخصية.
لقد اختارت الممثلة المبدعة حورية بهلول أن تُؤدّي لالة خداوج من الداخل إلى الخارج، لا من الخارج إلى الداخل.
أي أن العاطفة تولد أولًا في العمق، ثم تظهر في أقل قدر ممكن من الحركة، وهذا ما يجعل المشاهد يشعر أن الشخصية حقيقية وليست مصنوعة دراميًا.
ومن زاوية أخرى، تمثل شخصية خداوج ما يمكن تسميته بالدراما النسوية الصامتة في المجتمع التقليدي.
فالمرأة في تلك المرحلة التاريخية لم تكن تمتلك دائمًا مساحة للتعبير عن ذاتها علنًا، لكنها كانت تمارس تأثيرها من خلال موقعها داخل البيت.
كانت تُدير الحياة اليومية، وتراقب العلاقات، وتحمي التوازن العائلي دون أن تطلب الاعتراف، وهذا ما تعكسه خداوج بدقة:
امرأة ليست في مركز الضوء، لكنها في مركز الحياة.
وعلى مستوى الإخراج، استطاع المخرج جعفر قاسم أن يضع هذه الشخصية في فضاء بصري يخدم طبيعتها الهادئة.
فالكاميرا غالبًا ما تقترب من وجه خداوج في لحظات الصمت، وكأنها تبحث في ملامحها عن الكلمات التي لم تُقل.
كما أن الملابس التقليدية وطريقة الجلوس ومكانها داخل البيت، كلها عناصر تُعزز إحساس المشاهد بأنها تنتمي إلى عالم قديم تحكمه القيم والطقوس الاجتماعية الدقيقة.
في كثير من المشاهد تبدو خداوج وكأنها جزء من المكان نفسه:
كأنها قطعة من ذاكرة البيت، أو ظلٌّ من ظلال الزمن.
والشخصيات التي تبقى في ذاكرة المشاهد ليست دائمًا تلك التي تقود الأحداث، بل تلك التي تمثل شعورًا إنسانيًا عميقًا.
وخداوج تمثل شعورًا يعرفه الجميع:
الخوف على من نحب.
لكن هذا الخوف يظهر هنا في شكله الأكثر نبلًا:
الخوف الذي يتحول إلى مسؤولية، وإلى حراسة دائمة للآخرين.
لهذا السبب لم تبدُ لالة خداوج مُجرّد شخصية درامية، بل بدت كأنها امرأة حقيقية عرفها كثير من الجزائريين في بيوتهم:
خالة، عمّة، أو جدّة كانت تحرس البيت بنظرة واحدة.
ومن هنا يمكن القول إن شخصية لالة خداوج تُمثل أحد أجمل نماذج الشخصية الهادئة العميقة في الدراما الجزائرية المعاصرة، فهي شخصية لا تعتمد على الحدث، بل على الجوهر الإنساني.
ومن خلال الأداء المتزن للفنانة حورية بهلول والرؤية البصرية للمخرج جعفر قاسم، تحوّلت لالة خداوج من مُجرّد دور ثانوي إلى ذاكرة درامية كاملة لنساء الزمن الجميل.
إنها ليست فقط امرأة في مسلسل، بل صورة رمزية لجيل كامل من النساء اللواتي عشن أعمارهن في الظل، لكنهن كنّ في الحقيقة النّور الذي حفظ البيوت من الانطفاء.
( نوميديا جروفي)



إرسال التعليق