من كربلاء إلى طهران.. ملحمة أخرى

محمد جواد الميالي
​بين كربلاء و ما نعيشه اليوم، خيط رفيع من الدم والدموع، وكأن التاريخ يأبى إلا أن يعيد صياغة المشهد بذات
الأدوات، مظلومية لا تنتهي، ومعسكران لا يلتقيان.. معسكر يتمسك بالقيم والزهد، ومعسكر أغرته براديت
الدنيا وحطامها الزائل.
​داخل هذه الحرب، تبرز فاجعة تهز الضمير الإنساني، 180 طالبة، زهرات في ربيع العمر، قُطفت أرواحهن
في إيران بقصف غاشم، لم يكنّ يحملن سلاحاً، بل أحلاماً وكتباً، سقطن ليكونن شاهدات على بشاعة استهداف
الهوية والوجود، إنها المظلومية الشيعية المتجددة، التي لا تفرق بين طفل في مهد كربلاء، وطالبة علم في
طهران، فالمستهدف واحد.. الشيعة، والعداء تاريخي يتجدد اليوم بمشاريع “دولة الميعاد” التي تمتد أطماعها من
النيل إلى الفرات.
المشروع الصهيوني لا يتحقق بوجود إيران الشيعية وقائد ثورتها، والقصف الصهيوني لا يفرق بين المرشد
الأعلى وبين الأطفال، لكن الملفت في هذه الحرب هي صورة القيادة في إيران، التي تقدم نموذجاً مختلفاً في
نظر مؤيديها، حيث أن مراسم عزاء استشهاد وزير الدفاع أثناء القصف، تظهر انه يسكن شقة متواضعة في أحد
أحياء طهران، غذّا هذا المشهد عقول المؤيدين، على إن القادة هناك ما زالوا ينظرون إلى السلطة باعتبارها
مسؤولية لا امتيازاً، هذه الصورة تضعهم، في وعي جمهورهم، ضمن معسكر الحسين الذي لا تغريه متاع
الدنيا.
المفارقة تظهر بوضوح في أن هناك بعض القادة صعدوا إلى السلطة باسم المظلومية نفسها، وبدعم ومساندة
الجمهورية الإسلامية، لكنهم انجذبوا لاحقاً إلى امتيازات الحكم وثروته.. من قصور وسيارات فارهة،
وجمهورهم بات يرى أن هؤلاء اختاروا الوقوف في منطقة رمادية، خوفاً على مصالحهم ونظامهم السياسي،
رغم أن بقاء ذلك النظام ارتبط سنوات طويلة بالدعم الإيراني، وسقوط إيران، إن حدث، لن يكون أزمة إقليمية
فحسب بل زلزالاً سياسياً يطال كثيراً من القوى في المنطقة.
كما ان رؤية جزء كبير من الشيعة للصراع الحالي، تتجاوز الحسابات السياسية الباردة، الحديث عن مشاريع
إسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة، وعن حلم يمتد من النيل إلى الفرات، يؤكد بأن المواجهة تتعلق بهوية المنطقة
ومستقبلها، بقدر ما تتعلق بمحاربة المذهب الشيعي.
تجارب التاريخ القريب للحروب الأمريكية، يشير إلى احتمال أن تنسحب الولايات المتحدة من الحرب، إذا
تحولت إلى استنزاف مكلف، لحظة الانسحاب في مثل هذه الحالات، قد تمنح النظام في إيران فرصة ليعود أكثر
تماسكاً بدعم شعبي واسع.
اما العراق سيبقى أمام امتحان مختلف، الجماهير الشيعية التي حملت ذاكرة الطف قروناً طويلة، لن تقبل بسهولة
أن ترى قادتها بعيدين عن هذه الحرب، فهي بالنسبة لهم معركة كرامة وهوية، ذاكرة الحسين في الوجدان
الشيعي أقوى من حسابات السياسة، وجمهور هذه الذاكرة، لم يكن يوماً ميالاً للوقوف في معسكر يزيد مهما
تغيرت الأزمنة والوجوه، وسيعاقبهم في أقرب انتخابات.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك