امريكا.. الصين.. وحرب النفط الخفية في طهران وكراكاس

حسام عبد الحسين

في خضم التحولات الدولية المتسارعة، تبرز حقيقة جوهرية غالبا ما تغيب عن الخطاب الإعلامي السائد: أن
الصراعات الدولية المعاصرة لم تعد تدور بالضرورة حيث نراها على شاشات التلفاز. فالحرب اليوم هي حرب
اقتصادية بالدرجة الأولى، تخاض بأدوات مالية وتجارية قبل أن تكون عسكرية.

من هذا المنظور، يمكن فهم التصعيد الامريكي الاخير تجاه فنزويلا ثم ايران، ليس بوصفه جزءا من مسعى
لنشر الديمقراطية او مواجهة اسلحة دمار شامل، بل كحلقة في صراع اوسع واعمق مع الصين. فالذريعة
النووية الإيرانية، التي يرددها نتنياهو منذ ١٩٩٥ بأن ايران “على بعد أسبوعين من القنبلة”، تحمل تشابها
واضحا مع ذريعة اسلحة الدمار الشامل العراقية التي استخدمت لتبرير حرب ٢٠٠٣.

ما يحتاج الى فهم عميق هو ان امريكا تواجه اليوم تفوقا صينيا متزايدا في المعارك الاقتصادية: الصين تصدر
أكثر مما تستهلك، توسع نفوذها عبر الديون وليس الحروب، وهي الشريك التجاري الاول لغالبية دول العالم.
والأهم، انها تتخلص تدريجيا من هيمنة الدولار، وتشتري النفط باليوان من روسيا وايران وفنزويلا، وتجمع
الذهب. هذا التحول يهدد مكانة الدولار بصفته اداة الهيمنة المالية الامريكية.

نقطة الضعف الاستراتيجية الوحيدة للصين هي الطاقة. فبعدد سكان يبلغ ١.٥ مليار نسمة، تستورد ٧٠٪؜ من
نفطها من الشرق الأوسط. وهنا يكمن مفتاح الاستراتيجية الامريكية: قطع شرايين الطاقة عن الصين عبر
استهداف مصادر امدادها، بدءا بفنزويلا التي تملك احتياطيا نفطيا اكبر من السعودية، ثم ايران صاحبة المرتبة
الثالثة عالميا في احتياطي النفط والغاز.

لكن إيران ليست فنزويلا. فهي تملك ٩٠ مليون نسمة، وجيشا حقيقيا، وصواريخ باليستية، وحلفاء في
المنطقة. الغارات الجوية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام او قطع الإمدادات عن الصين. والغزو البري مكلف
سياسيا وشعبيا في أمريكا بعد تجربتي العراق وأفغانستان. لذا يبقى الخياران: إما تحريك انتفاضة داخلية او
التفاوض مع القيادة الايرانية، وكلاهما مستبعد في الظروف الراهنة.

وهنا يدخل الخيار النووي بصيغتين: إما استخدامه كورقة ضغط امريكية لاجبار ايران على الاستسلام، او
لجوء ايران نفسها لامتلاك الردع النووي على غرار كوريا الشمالية.

ما علاقة روسيا بكل هذا؟ روسيا صمدت أمام العقوبات لأن الصين تشكل شريان حياتها الاقتصادي. اضعاف
الصين يعني انهيار روسيا وحيدة دون حاجة الى مواجهة مباشرة.

ما نشهده هو صراع بين قطبين رأسماليين للسيطرة على موارد الطاقة وأسواق العالم، تدركه واشنطن
بوضوح وان لم تعلنه صراحة: السيطرة على النفط المتجه للصين، ابطاء التقدم الصيني في الذكاء
الاصطناعي، التحكم بأسعار الطاقة، خنق الصين عبر تايوان، إضعاف روسيا، واستعادة النفوذ في الخليج على
حساب الصين.

التاريخ يعلمنا ان الإمبراطوريات تسقط حين تفقد السيطرة على ثلاثية: الطاقة، التجارة، والعملة. وأمريكا اليوم
تشعر بهذا الخطر الوجودي، فتسقط الأقنعة الإنسانية والديمقراطية، وتكشف عن الوجه الحقيقي للصراع: إنه
صراع على البقاء في قمة الهرم الرأسمالي العالمي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك