مضيق هرمز “برميل البارود” الذي هز أركان الاقتصاد العالمي

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

يعيش العالم اليوم حالة من الصدمة الاقتصادية غير المسبوقة منذ عقود؛ فمع دخول الحرب المفروضة من قبل امريكا والصهاينة ضد إيران أسبوعها الأول، وإعلان طهران السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإغلاقه، تحول هذا الممر من شريان حيوي إلى “عنق زجاجة” يخنق النمو العالمي ويقذف بأسواق المال نحو المجهول، في رد سيادي ومحتوم على عقود من الغطرسة الأمريكية والتحريض الصهيوني.

إن هذا الإغلاق ليس مجرد قرار عسكري، بل هو صرخة كرامة في وجه “الإرهاب الاقتصادي” الذي حاول خنق الشعب الإيراني وحرمانه من أبسط حقوقه, عبر حصار جائر وتدابير أحادية ظالمة، لتثبت طهران أن زمن استباحة سيادة الشعوب دون ثمن قد ولى، وأن اليد التي تمتد لنهب مقدرات المنطقة أو تهديد وجودها ستجد أمامها إرادة لا تنكسر؛ فالمظلومية التي تجرعها الإيرانيون بصبر استراتيجي تحولت اليوم إلى قوة اقتدار تضع النظام العالمي الظالم أمام حقيقة أن أمن الطاقة لا يستقيم مع استمرار العربدة الصهيونية والتبعية لواشنطن، وما فوضى الأسواق اليوم إلا حصاد لما زرعته يد الاستكبار من ظلم وتجاهل لحقوق الشعوب الحرة.

· زلزال هرمز: حين يحبس شريان الطاقة أنفاس العالم

في قلب هذه العاصفة الجيوسياسية الهوجاء، يرتجف العالم اليوم على وقع “زلزال طاقة” غير مسبوق، حيث مضيق هرمز ذلك الشريان الذي طالما ضخ الحياة في عروق الحضارة الحديثة، اصبح مسرحاً لانحباس أنفاس القارات؛ فمنذ الثالث من مارس 2026، توقفت نبضات الملاحة بنسبة تجاوزت الـ 95%، لتُحبس خلف بوابة هرمز قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية, وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، مما دفع بخام برنت ليقفز في غضون ثلاثة أيام فقط بنسبة 12%، مستقراً عند عتبة الـ 84 دولاراً كتمهيدٍ لانفجار سعري وشيك قد يكسر حاجز الـ 100 دولار.

في وقت يواجه فيه كوكب الأرض خطر فقدان 120 مليار متر مكعب من الغاز، الأمر الذي يضرب أمن الطاقة في مقتل، خاصة في حواضر أوروبا العجوز ومصانع آسيا الكبرى في الصين والهند, والتي باتت محرومة من تدفقات الغاز القطري والعماني.

وبموازاة هذا الكسوف الطاقي، عاد شبح الركود العالمي ليخيم على الأفق، حيث تعالت صرخات التحذير من صندوق النقد الدولي بأن “آفاق الاقتصاد العالمي بدأت تظلم”، إثر الارتفاع الجنوني في تكاليف الشحن وأقساط التأمين البحري التي بلغت مستويات فلكية بعد كف يد التغطية عن السفن العابرة للمنطقة، مما أطلق شرارة موجة تضخمية عاتية طالت رغيف الخبز والسلع الأساسية، لتجد البنوك المركزية نفسها مكبلة في مأزق تاريخي, بين مطرقة رفع الفائدة لكبح جماح الأسعار وسندان خفضها لإنعاش نمو متباطئ, يترنح تحت وطأة انسداد مسارات التجارة الكبرى.

· مضيق هرمز من بوفيه مفتوح إلى ساحة تكسير العظام

اطلقت الأزمة عقالها من جداول الإحصاء المملة, لتتحول إلى “خناقة شوارع” دولية فوق أمواج هرمز, التي لم تعد تحتمل كل هذا الضجيج؛ فمن جهة يطل علينا الرئيس القبيح ترمب بتسريحته الغبية, مصراً على رهن هيبة البيت الأبيض بفرض “سيل النفط” ولو بقوة السلاح، وكأنه يظن أن مرافقة الناقلات بالبوارج تشبه مرافقة سيارات “الليموزين” في شوارع لاس فيغاس.

وفي المقابل، تقف طهران ببرود أعصاب يثير الجنون، حيث قرر الحرس الثوري أن يحول تحذيراته إلى “دروس خصوصية” ميدانية عبر استهداف الناقلات التي تعاني من “ضعف السمع”، واضعاً شعار المرحلة: “ممنوع الخروج.. النفط في البيت أضمن”، طالما أن الجيران لا يحترمون قواعد الزيارة.

أما الوحش الامريكي فيبدو كمن وقع في فخ “بوفيه مفتوح” لكن بابه مقفل بالشمع الأحمر؛ إذ يجد نفسه في موقف “لا يُحسد عليه” وهو يرى مصانعه التي تبتلع النفط مهددة بالسكتة القلبية، ليتحول مضيق هرمز من ممر مائي إلى ساحة “تكسير عظام” عالمية، حيث يتصارع الكبار على “برميل” بينما العالم يتفرج وهو يرتعد خوفاً من العودة لركوب الحمير، في مشهد تاريخي لا يتكرر.

· براميل عالقة ونظام عالمي على كف عفريت

على صعيد الجيران والأقارب، فقد تحولت المنطقة الى دراما إقليمية تثير الضحك والبكاء في آنٍ واحد؛ فبينما تحاول دول الخليج جاهدة إقناع براميلها بالخروج عبر أنابيب بديلة نحو البحر الأحمر, في مشهد يشبه محاولة تهريب بضاعة من جمارك مشددة، تجد نفسها عالقة في “فخ السيادة”، حيث الصادرات متوقفة والآبار تفيض بذهبٍ أسود لا يجد من يشتريه سوى الرمال.

وفي الجهة المقابلة، تقف بلدان اوربا ان عملاتهم المحلية تخوض معركة “البقاء للأقوى” أمام دولارٍ جن جنونه، وكأن المواطن البسيط كان ينقصه ضريبة “تكسير العظام” الدولية ليتمم فصول معاناته. وختاماً لهذه المسرحية الهزلية التي انفجرت فصولها في مارس 2026، يتضح لنا أن “الجغرافيا السياسية” لا تزال هي المخرج الذي يحرك دمى الاقتصاد العالمي، وأن إغلاق هرمز لم يكن مجرد سحابة صيف تجارية، بل هو “امتحان كفاءة” كوني لمرونة العالم, والتي يبدو أنها تيبست تحت وطأة الغطرسة، فإذا لم تنجح الصين في دور “حمامة السلام” التي تحاول لملمة حطام الأزمة قبل فوات الأوان، فإننا بصدد استقبال ركود اقتصادي سيجعل من أزمة 2008 مجرد “نزهة مدرسية” لطيفة، وسيدفعنا جميعاً لنتساءل بمرارة: هل نحن أمام نظام عالمي جديد، أم أننا بصدد العودة لعصر “المقايضة” حيث البرميل مقابل رغيف خبز؟

· هرمز يغلق الأبواب ويعيد القارة العجوز إلى عصر الشموع

القارة العجوز التي كانت بالأمس القريب تتبختر في صالونات الرقي وتنتقد “هياج” أسواق الطاقة، قد تجد نفسها فجأة أمام كابوس مضيق هرمز, وهي تتوسل اللطف والمدد؛ فإغلاق هذا الممر الضيق ليس مجرد عائق بحري، بل هو بمثابة إصابة شديدة في جسد الاقتصاد الأوروبي الذي لم يعد يتحمل المزاح. فبينما تجلس أوروبا “المسكينة” تحاول نسيان غرامها القديم والموجع مع الغاز الروسي، وتغازل بدلاً منه الغاز القطري المسال، يأتي إغلاق المضيق ليقطع حبال هذا الود الجدید، فتتبخر أحلام التدفئة وتتحول المصانع الألمانية العتيدة إلى متاحف صامتة للصناعة المهجورة.

وبدلاً من أن يشغل “مستر سميث” سيارته الفارهة بالبنزين، قد يضطر لبيعها مقابل لترين من زيت الطعام لطهي ما تبقى في خزانته، حيث ستطير أسعار النفط إلى ارقام فلكية, وسيصل سعر برميل النفط الـ 150 دولاراً بصورة تجعل التضخم في القارة يبدو وكأنه نكتة سمجة لا تضحك أحداً.

ويا لهول المشهد، حين تتجمد الأطراف في الشتاء القارص ويتحول “اليورو” إلى عملة للذكريات، فتبدأ الدول الأوروبية “المتحدة” في تبادل الاتهامات بدلاً من الورود، وينقسمون حول من يذهب لفتح المضيق ومن يبقى في البيت ليشعل الشموع، لتكتشف القارة في النهاية أن أمنها القومي بأكمله معلق “بمسمار” في جدار مضيق هرمز، وأن كل بدائلها الفورية ليست سوى مسكنات واهية في وجه زلزال جيوسياسي كفيل بأن يعيدها إلى عصر الشموع والمشي لمسافات طويلة، وسط ذهول الجميع من أن مصير “أناقة” باريس و”دقة” برلين بات مرهوناً بعبور ناقلة غاز من فتحة إبرة جغرافية في أقاصي الشرق.

· العم سام في رِكاب نتنياهو

أما عن “السام” العجوز الذي كان يظن نفسه سيد الأساطيل، فقد انتهى به المطاف “تابعاً” مخلصاً خلف عربة الكيان الصهيوني، يجر أذيال الخيبة في دروب الحرب التي فُصلت على مقاس الأطماع الصهيونية؛ فواشنطن التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً بشعارات “القيادة العالمية”، لم تجد نفسها إلا وقد سُحبت من “ياقتها” إلى فخ المواجهة مع طهران، لتلعب دور “الحارس الشخصي” لمخططات تل أبيب التي لا تشبع من الدمار.

لقد تحول البيت الأبيض إلى مجرد صدىً لأوامر تُطبخ في أروقة الكنيست، حيث يُدفع بالجنود الأمريكيين إلى محرقةٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إرضاءً لغطرسة “نتنياهو” الذي وجد في العم سام “خادماً مطيعاً” يحمل عنه أوزار الحروب ويدفع أثمانها من كرامته واقتصاده.

وهكذا، سقطت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في “شر أعمالها”، حين استبدلت هيبتها بالتبعية العمياء، لتدخل في صراعٍ وجودي مع إيران، لا لشيء إلا لأنها قبلت أن تكون “القفاز” الذي يحمي يد الصهيونية وهي تحاول العبث بنار الشرق، لتكتشف أمريكا أخيراً أنها لم تكن تقود العالم، بل كانت تـُقاد بلجامٍ صهيوني نحو هاويةٍ لا قرار لها، حيث لا ينفع الندم حين تحترق البوارج لأجل عيون “حليف” لا يعرف للوفاء معنى.

· الخاتمة: حين يبيع العالم “الهيبة” ويشتري “البسكويت”!

وهكذا، يجد العالم نفسه اليوم واقفاً على “أطلال” نظامٍ دولي كان يظن أن القوة تكمن في ربطات العنق الفاخرة وتهديدات “تويتر” الصباحية، ليكتشف فجأة أن مصير ناطحات سحاب نيويورك وأضواء باريس مرهونٌ بـ “مزاج” الأمواج في مضيق هرمز.

إنها الكوميديا السوداء في أبهى صورها؛ حيث تهرع القوى العظمى ببارجاتها المذعورة لتسول قطرة زيت، بينما تجلس طهران ببرودها التاريخي، تضع “كش ملك” على رقعة الشطرنج العالمية، تاركةً “العم سام” يضرب أخماساً بأسداس ويتحسس جيوبه الفارغة من الهيبة والوقود.

وبينما ينشغل الكبار بصراع “تكسير العظام” على برميل نفط، لا يسعنا نحن أبناء هذه المنطقة “المنكوبة بالمواهب” إلا أن نجهز سروج خيولنا ونستعد لعودة تاريخية مغلّفة بالحداثة؛ فالمستقبل الذي وعدونا به كـ “قرية صغيرة” تحول فجأة إلى “زنزانة ضيقة” بلا كهرباء.

فهل نحن فعلاً أمام ولادة نظام عالمي جديد؟ أم أن القدر أراد فقط أن يذكرنا بأن “الغطرسة” لا تبني وطناً، وأن “الصلف الأمريكي” قد ينتهي ببيع أساطيله في سوق “الخردة” مقابل رغيف خبز دافئ؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، ولكن حتى ذلك الحين، نصيحةً أخيرة لكل القوى الكبرى: “وفروا صراخكم.. فالمحركات لا تدار بالضجيج، والكرامة لا تُباع في أسواق الأسهم”..

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك