بين الأرض والواجب.. “علي بن عمّار ” وشخصية الثائر الجزائري..

يُقدّم مسلسل “فاطمة” للمخرج الجزائري الكبير جعفر قاسم شخصية علي بن عمّار التي أبدع في تجسيدها الممثل هشام بن ميرة بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تركيبًا وعمقًا في الدراما التاريخية الجزائرية الحديثة،فهو ليس مجرّد رجل يعيش في زمنٍ مضطرب، بل هو نموذج الإنسان الذي تصنعه اللحظة الوطنية، لحظة تتجاوز حدود الفرد لتضعه في مواجهة تاريخٍ بأكمله.
علي بن عمار في “فاطمة” ليس مجرّد شخصية روائية بل
إنه أيقونة ثورية مُتجسّدة في رجل واحد.
تظهر شخصية علي بن عمار في المسلسل محمّلة بكلّ ما عُرف عنه تاريخيًا:
الصلابة، الشجاعة، الحِس الوطني الفطري، والاعتقاد العميق بأن الدفاع عن الأرض لا يحتاج إلى فرمان ولا إلى دولة مركزية قوية، بل يحتاج إلى رجل يعرف معنى الشرف.
هذا العمق الثوري يجعل الشخصية تتحرك في الدراما
كأنهاصدى لرجال 1830.
رجلٌ لا ينتظر التعليمات.
لا يقف في موضع المتردّد.
لا يساوم على المبادئ. ولا يرى في المقاومة بطولةً، بل يرى فيها واجبًا طبيعيًا كالتنفس.
وهكذا يصبح علي بن عمار في المسلسل صوت الحق القديم الذي يسكن كل جزائري، مهما تغيّرت الأزمنة.
علي بن عمّار، بملامحه الصارمة وصمته المتّقد، يجسّد جوهر المقاوم الأوّل الذي برز سنة 1830 – 1840 لمّا انكشفت الأرض على وقع المدافع الفرنسية،فهو لم ينتظر أوامر ولم يحمل راية رسمية، بل حمل قناعة بسيطة وعميقة أنّ الأرض لا يُدافع عنها إلا أبناؤها،وفي هذا يقترب من صورة الرجال الذين لم تخلّدهم الوثائق بقدر ما خلّدهم الوجدان الجزائري.
المسلسل ينجح في تقديمه بوصفه ثائرًا قبل أن يكون مُحاربًا، رجلًا تتشكّل مقاومته من صدقه الفطري من إحساسه بالمسؤولية تجاه أهله الذي يبدأ من البيت بثأره من قاتل والده ويمتدّ نحو الوطن. يتعامل مع الاحتلال كإهانة كبرى ومع الدفاع كفعل يُردّ به الاعتبار لا كمعركة عابرة.
ّورغم أنّ المسلسل يُلمّح إلى مشاعره المخبّأة تُجاه فاطمة إلا أنّ هذا الخيط العاطفي لا يظهر كحكاية حبّ بقدر ما يظهر كجرح داخلي يزيد من حدّة تمرّده.
فالعاطفة هنا ليست محورًا بل جزءًا من معادلته النفسية فما لا يستطيع قوله باللّسان يُترجمه بالموقف، وما لا يملكه من حنان يعوّضه بشراسة الدفاع.
ومن هنا يُصبح اعتقاله ليس فعلًا شخصيًا بل ثمنًا يدفعه كل ثائر حين يضع الوطن فوق رغبته الفردية.
علي بن عمّار كما يُقدّمه المسلسل، يُشبه ثائرًا يكتب تاريخه بيديه لا بأقلام المؤرخين،فشخصيته تُذكّرنا بروح كاتب ياسين في تمرّده، و العربي بن مهيدي في ثورته وحنكته، لكنّ تمرّد علي بن عمّار هنا نابع من الأرض لا من الكلمات ومن ساحة المواجهة لا من طاولة الكتابة.
هو ابن الجزائر الذي يحوّله الظلم إلى مقاتل والغيرة إلى حراسة والصمت إلى موقف.
إنه شخصية تُعيد للدراما الجزائرية صورتها الأصيلة،رجل بسيط، لكنّ قلبه أكبر من الاحتلال كله.
لم يكن علي بن عمار في “فاطمة” مجرّد رجل مقاوم يواجه زمنًا مضطربًا، بل كان قلبًا يمشي على حافة النار.
ثائر في الشارع.
وصامت عاشق في الداخل.
وربما هذا التناقض هو سرّ قوة الشخصية
رجل يحمل الوطن في كفّه وحبًّا خجولًا في الكفّ الأخرى.
حبّه لفاطمة ليس حبًا صاخبًا، ولا اعترافًا علنيًا
بل محبة مكبوتة، هادئة، عميقة تُشبه ذلك الجرح الذي لا ينزف لكنه يؤلم.
يقترب منها كمن يقترب من نور في آخر الطريق
ويبتعد عنها كمن يعرف أن النور نفسه قد يحرقه.
هو لا يعترف و لا يتجرأ،
لا يتكلم،لكن عينيه تفضحان كل ما حاول أن يخفيه
إنه حبّ رجل يعرف أن قلبه ليس أولوية،وأن زمنه لا يسمح له برفاهية المشاعر،ومع ذلك لا يستطيع أن يطفئه.
هو ثائرٌ في الخارج،وعاشقٌ مقهور في الداخل،
وكلاهما يلتهمانه ببطء.
إنه رجل يقف بين قلبه ووطنه،بين رغبته وصمته،بين ما يريد وما يجب.
ويختار دائمًا الواجب حتى لو احترق قلبه في الطريق.
بهذا يصبح علي بن عمار أحد أجمل الشخصيات في الدراما الجزائرية التي أبدع فيها المخرج جعفر قاسم.
ثائر يحمل الوطن في صدره..
وعاشق يحمل فاطمة في قلبه..
ولا يملك الوقت ليختار بينهما.
علي بن عمار في “فاطمة” هو نموذج نادر في الدراما الجزائرية:
شخصية روائية تُجسّد حقيقة تاريخية، وتعيد إلى الذاكرة نوعًا من الرجال لا تراه الشاشة كثيرًا:
رجل لا يخاف من المواجهة
ولا يخون الأرض
ولا يُساوم على الشرف
ولا يتردّد حين تُختبر رجولته الوطنية
إنه الثائر الذي يمشي في الدراما بروح من قاوموا الإنزال العسكري في 1830.

( نوميديا جروفي)

إرسال التعليق