إسقاط النظام الإيراني، مشروع مؤجل أم خطة قيد التنفيذ؟

إيران على حافة إعادة التشكيل، من يكتب السيناريو ومن يكون الأداة؟

إيران لم تعد تقف عند مفترق طريق، بل عند حافة إعادة تشكيل كاملة. السؤال لم يعد: هل يسقط النظام؟ بل: من يدير لحظة التحول، ومن يكتب شروطها، ومن سيدفع ثمنها؟ فالتاريخ الحديث يُظهر أن الأنظمة لا تتغير فقط حين يثور الداخل، بل حين تتقاطع أزمات الداخل مع حسابات الخارج. وعند هذه النقطة، يصبح ميزان الثقة بلا قيمة، لأن الضرورة تتقدم على القناعة.

لطالما قيل إن الثقة بأمريكا أو بالدول الكبرى وهم سياسي لا يجوز الوقوع فيه. ومعظم المجتمعات التي عانت من تدخلاتها تدرك هذه الحقيقة. بل إن بعضها يعادي واشنطن أكثر مما يعادي أنظمته القامعة. غير أن الإدراك النظري لا يغيّر واقع الاختناق. فعندما تُغلق السلطة كل أبواب الإصلاح، وتُحاصر المجتمع بخطاب الأمن والعقيدة، وتُحكم قبضتها باسم مواجهة الخارج، يصبح الناس عالقين بين انسداد الأفق الداخلي وريبةٍ عميقة من الخارج.

في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود سؤال الثقة هو المحور، بل سؤال البديل. فحين يغيب الأفق الداخلي، تتحول “المساعدة الخارجية” من خيارٍ مبدئي يُناقش على مستوى القناعة، إلى ملاذٍ اضطراري يُفرض على مستوى الضرورة، مهما كان محفوفًا بالمخاطر. فالشعوب التي تُحاصر طويلًا لا تبحث عن الحليف المثالي، بل عن ثغرةٍ في الجدار، وعن كسرٍ للحلقة المغلقة التي تدور فيها بلا أفق.

هذه المفارقة تدركها الولايات المتحدة والدول الكبرى إدراكًا عميقًا. فهي تعلم أن الثقة الشعبية ليست شرطًا للتحرك، وأن الرهان على الخارج قد ينشأ من الاختناق لا من الاقتناع. ومن هنا يمكن فهم نمط “الإيقاظ والإخماد” الذي يطال الشارع الإيراني بين فينة وأخرى: تحريكٌ محسوب لموجات الاحتجاج، ثم تركها تنحسر في اللحظة المناسبة، لا بدافع التعاطف مع مطالب الداخل، بل لجسّ نبض النظام من جهة، واختبار قابلية المجتمع للاستمرار من جهة أخرى. إنها سياسة إدارة التوتر لا تفجيره، واستثمار الأزمة لا إنهائها؛ إبقاء المشهد في مستوى قابل للتحكم، دون السماح بانفجارٍ يعيد رسم المعادلات خارج الحسابات المسبقة.

وتعلم واشنطن وحلفاؤها أن أدوات التأثير باقية ما دامت بنية الضغط قائمة. فالعقوبات الاقتصادية، التي يُعلن أنها موجهة ضد النظام، تصيب المجتمع في عمق حياته اليومية: العملة، الدواء، الغذاء، فرص العمل. وفي الواقع العملي، غالبًا ما يكون وقعها على الناس أشد من وقعها على السلطة، التي تعيد هندسة اقتصاد الحصار لصالح شبكاتها. وهكذا تتكوّن بنية هشاشة ممتدة، تجعل المجتمع في بحث دائم عن منقذ، ولو كان موضع ريبة. عندئذ تتقدم القوى الكبرى بوصفها بوابة الخلاص الممكن، لا لأنها موثوقة، بل لأنها حاضرة وقادرة.

في هذا السياق القاسي، يُدفع الإيرانيون نحو معادلة خانقة: إما القبول بالعيش تحت نظام شمولي يُغذّي شرعيته بخطاب أيديولوجي توسعي ويطلب من المجتمع دفع كلفة مشروعه الإقليمي بالجوع والعوز، وإما التطلع إلى إنقاذ خارجي مع إدراكٍ مسبق أنه إنقاذ مشروط، وأن من يمدّ اليد يملك أيضًا القدرة على التراجع أو الابتزاز. وحين يُختزل الأفق إلى خيارين مرّين، قد ينهض الناس كل مرة من جديد، لا لأنهم يثقون، بل لأنهم يختنقون؛ لا لأنهم يؤمنون بالوعود، بل لأنهم فقدوا معنى البديل.

يبقى السؤال: هل سيكون التغيير في إيران بالحرب أم بالدبلوماسية؟ يبدو أن ترامب، بدوافعه السياسية الداخلية ورغبته في صناعة إنجاز قابل للتسويق، يفضّل صفقة تُقدَّم بوصفها سلامًا، حتى لو قامت على قاعدة الترهيب. ضغطٌ أقصى، تهديدٌ أعلى، ثم بابٌ موارب للتفاوض. وإيران تقرأ هذه الاستراتيجية بدقة، لذا تحاول ألّا ترضخ لإملاءات واشنطن وتل أبيب دفعة واحدة، لأن الرضوخ الكامل يهدد سرديتها الداخلية وتماسكها السلطوي.

غير أن مسار الحوارات قد يصطدم بجدار الرفض الإيراني إذا ظل سقف المطالب مرتفعًا حدّ الإذلال. وفي المقابل، قد تجد الصفقة طريقها إذا مُنحت طهران “ضمانات نجاة” للنظام مقابل تنازلات مرحلية: تقليص أدوات النفوذ الإقليمي، ضبط السلوك على حدود لا تمس إسرائيل، وربما التضحية ببعض الأوراق الثقيلة لإنقاذ المركز. عندها لن يكون السؤال، من انتصر؟ بل، من نجح في تحويل الخسارة إلى رواية قابلة للحياة، ومن استطاع أن يمرّ من بوابة التحول بأقل كلفة ممكنة على مصالحه وصورته.

هكذا تُدار السياسة في الإقليم، لا بمنطق الثقة، بل بمنطق الضرورة؛ لا بمنطق الشعارات، بل بمنطق موازين القوة؛ ولا بمنطق الشعوب وحدها، بل بمنطق من يملك القدرة على تحويل أوجاعها إلى ورقة تفاوض.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق